ما وراء الضجيج .. الشرق الأوسط بين حافة النار وبوابة التحوّل
فاتن الكوري
01-03-2026 03:53 PM
* في الشرق الأوسط، لا يرتفع صوت الطائرات والصواريخ وحده، بل يرتفع أيضًا سؤال أكبر:
* هل ما نشهده مجرد تصعيد عسكري عابر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل؟
* أم أننا أمام لحظة تحوّل تاريخية تعيد تشكيل المنطقة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا؟
المشهد يبدو مشحونًا، واللغة المتبادلة حادة، لكن القراءة المتأنية تكشف أن ما يجري قد لا يكون اندفاعة نحو حرب كبرى، بقدر ما هو إعادة تموضع مدروسة في زمن يتغير بسرعة.
اللاعبون الكبار يدركون أن الحرب الشاملة مكلفة للجميع. إيران، رغم خطابها التصعيدي، تعرف أن اقتصادها لا يحتمل مواجهة مفتوحة. وإسرائيل، رغم القوه العسكرية، تدرك أن أي حرب متعددة الجبهات ستضع مجتمعها أمام اختبار طويل وقاسٍ غير محتمل ، أما الولايات المتحدة، فهي تحاول : ردع دون انغماس، وضغط دون انفجار شامل.
إذن لماذا يبدو المشهد أقرب إلى العاصفة؟
لأن المنطقة تدخل مرحلة إعادة صياغة عميقة. لم يعد السؤال من يطلق الصاروخ، بل من يكتب قواعد المرحلة المقبلة. هناك سباق هادئ لإعادة رسم النفوذ، لإعادة تعريف ممرات الطاقة، لإعادة ترتيب التحالفات. التوتر ليس دائمًا مقدمة حرب؛ أحيانًا يكون أداة تفاوض بأعلى درجات السخونة.
اقتصاديًا، أي شرارة هنا تعني اهتزازًا في أسواق الطاقة، وتحولات في طرق التجارة، وإعادة حسابات استثمارية واسعة. سياسيًا، تتراجع الهيمنة الأحادية القديمة، وتظهر معادلات أكثر تعقيدًا. أما اجتماعيًا، فإن وعي الشعوب يتغير؛ المجتمعات لم تعد تقرأ المشهد كما كانت تفعل قبل عقدين.
لكن وسط هذا الضجيج، ثمة حقيقة إيجابية لا يجب إغفالها:
كل الأطراف تدرك حجم الكلفة. وهذا الإدراك بحد ذاته عامل كابح.
الشرق الأوسط ليس على حافة نهاية، بل على أعتاب مرحلة نضج قاسية. التحولات الكبرى لا تعني دائمًا الفوضى؛ أحيانًا تعني إعادة توازن بعد اختلال طويل.
السؤال الحقيقي ليس: هل ستندلع الحرب؟
بل: هل تستطيع المنطقة أن تحوّل التوتر إلى فرصة لإعادة بناء نظام إقليمي أكثر واقعية وتوازنًا؟
ربما نحن لا نشهد مؤامرة خفية، ولا انفجارًا وشيكًا، بل مخاضًا تاريخيًا. والمخاض، مهما كان مؤلمًا، يسبق ولادة مرحلة جديدة.
الرهان اليوم ليس على من ينتصر عسكريًا، بل على من ينجح في قراءة اللحظة بعقل بارد ورؤية بعيدة. فالمنطقة التي اعتادت العواصف، تملك أيضًا خبرة النجاة منها.