ما يحدث اليوم يعيد تذكيرنا بحقيقة ليست جديدة، وهي أنه حين يصل الصراع مع إيران إلى لحظة اختبار، تُدار المواجهة غالبا على حساب الجغرافيا العربية الأقرب، لا على حساب القوة العظمى نفسها، وهذا نمط تكرر منذ حرب الناقلات، إلى ضرب منشآت الطاقة، إلى شبكات المليشيات التي تضرب تحت عنوان مواجهة أميركا، بينما تتحمل المدن العربية الكلفة الاقتصادية والسياسية، وتُختبر قدرة دول المنطقة على حماية أمنها الداخلي وسط ضجيج الصراع الكبير.
بالنسبة للأردن، المسألة ليست تضامنا خطابيا، بل حساب أمن قومي بارد، لأن مئات آلاف الأردنيين يعملون في الخليج، وتحويلاتهم تشكل شريانا نقديا يخفف ضغط البطالة ويضخ سيولة في السوق المحلي، وكل اهتزاز في أمن الخليج ينعكس مباشرة على عقود العمل، وعلى فرص جديدة، وعلى قدرة عائلات كاملة على الاستمرار، وهذه ليست أرقام في تقارير مالية، بل استقرار اجتماعي واقتصادي يمس كل بيت أردني تقريبا.
في ملف الطاقة، يعتمد الأردن على منظومة إقليمية تمر عبر الخليج أو ترتبط به، سواء في إمدادات النفط والغاز أو في استقرار أسعار الشحن والتأمين، وأي تصعيد هناك يرفع الكلفة فورا من النقل إلى التأمين إلى التمويل، وهذا يعني ضغطا على الموازنة وعلى التعرفة وعلى الصناعة الأردنية التي تعاني أصلا من كلفة طاقة مرتفعة مقارنة بمنافسيها، ومع كل زيادة في الكلفة تتراجع القدرة التنافسية، ويتباطأ النمو، وتتآكل قدرة الدولة على تنفيذ مشاريعها.
أما في الاستثمار، فدول الخليج هي الشريك الأكبر في مشاريع البنية التحتية والسياحة والعقار في الأردن، من العقبة إلى البحر الميت إلى عمان، وأي توتر أمني يخلق حذرا لدى المستثمر الخليجي، فقد تتأجل القرارات أو يتوقف التمويل، ومع الوقت تتباطأ مشاريع وفرص عمل، وتتأثر ثقة السوق، وهو ما سيرفع كلفة الاقتراض، وعندها تضيق مساحة المناورة أمام الدولة في إدارة اقتصادها.
وفي التجارة والنقل، يعتمد الأردن على ممرات بحرية وبرية مرتبطة بالخليج، من موانئ الإمارات والسعودية إلى حركة الشحن عبر البحر الأحمر، وأي اضطراب أمني هناك يرفع زمن النقل وكلفته، ويؤثر على صادرات الصناعات الأردنية وعلى استيراد السلع الأساسية، ما يعني تضخما أعلى وضغطا على المستهلك وعلى الاستقرار الاجتماعي، ومع التضخم تتآكل الثقة، ومع تآكل الثقة تتضاعف حساسية الداخل لأي صدمة سياسية أو اقتصادية.
لكن الخطر الأكبر لا يأتي من الصواريخ وحدها، ففي زمن السوشال ميديا ظهرت فئة مأفونة تخلط بين النقد والتحريض، وتبني خطاب كراهية غير مسبوق على الأردن، تخوين وشتم وتحريض على الدولة ومؤسساتها، بعضه مدفوع بأجندات خارجية، وبعضه نتيجة جهل وغضب، لكنه في النهاية يفتح ثغرات خطيرة في جبهة الداخل، ويحوّل الخلاف السياسي إلى خصومة مع الدولة نفسها، ويضعف الثقة التي هي أول خطوط الدفاع.
مجمل القول إن الرد على هكذا خطاب كراهية وتحريض لا يكون بشتيمة مقابلة ولا بحملات غوغائية، بل بتطبيق صارم للقانون على كل من يتجاوز حدوده، لأن هيبة الدولة تقوم على قاعدة واضحة تقول إن الحرية مصونة، لكن التحريض على الفوضى والكراهية جريمة، وإن حماية السلم الأهلي مسؤولية لا تقل أهمية عن حماية الحدود، وإن الدولة التي تحمي مجتمعها بالقانون تحمي أمنها في الخارج أيضا.
المعادلة واضحة اليوم، قراءة دقيقة لما يجري في الخليج، وتحصين داخلي يقوم على القانون والمؤسسات، لأن أمن الخليج جزء من أمن الأردن، ولأن الجغرافيا التي تحمي جيرانها تحمي نفسها أيضا.
"الغد"