الضمان الاختبار الأصعب تحت القبة
جهاد المنسي
02-03-2026 12:07 AM
القادم ليس جلسة عادية، ولا نقاشا تشريعيًا تقليديًا، فما ينتظر مجلس النواب في قادم الأيام هو اختبار ثقيل الوطأة، عنوانه الثقة، وموضوعه ضمان الأردنيين في شيخوختهم وعند تعثرهم، فمشروع قانون الضمان الاجتماعي ليس مجرد نصوص تُعدّل أو مواد تُحذف وتُضاف، بل هو ملف يمسّ الأمن الاجتماعي والاقتصادي للمشتركين، ويضع المؤسسة التشريعية أمام لحظة مفصلية: إما أن تعيد ترميم الثقة، أو تتركها تتآكل أكثر.
قانون الضمان هو بداية الاختبارات الحقيقية، فهو القانون الذي بنى حوله الشارع الأردني، بكل أطيافه، حالة من الترقب المشوب بالقلق، العامل البسيط، والموظف، والمتقاعد، وصاحب العمل، والشاب الذي لم يبدأ بعد مسيرته المهنية؛ جميعهم يراقبون ما سيصدر عن النواب من مواقف، وما سيُدخلونه من تعديلات على مشروع القانون، فالقضية هنا ليست تقنية ولا محصورة في أروقة المختصين، بل تمسّ مدخرات الناس وحقوقهم المتراكمة عبر سنوات طويلة من الاقتطاع والالتزام.
الأنظار ستتجه إلى القبة، ليس بدافع الفضول، بل بدافع الخشية، فهناك شعور متنامٍ لدى شريحة من الأردنيين بأن مؤسسة الضمان تمرّ بتحديات حقيقية، وأن مستقبلها يحتاج إلى معالجة دقيقة ومتوازنة. هذا الشعور لم ينشأ من فراغ؛ إذ ساهمت بعض التصريحات الرسمية، رغم نواياها التوضيحية، في رفع منسوب القلق، حين تحدثت عن اختلالات أو ضغوطات مالية دون أن يترافق ذلك دائمًا مع خطاب تطميني واضح وخطة إصلاح مفهومة للرأي العام.
وهنا تكمن حساسية اللحظة، فالقصة ليست من يكسب الجولة بين الحكومة والنواب، وليست ساحة لتسجيل المواقف أو رفع السقوف السياسية، المسألة أعمق من ذلك بكثير: كيف يمكن التوافق على تشريع يحمي المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي من أي مخاطر مستقبلية، ويضمن استدامتها المالية، وفي الوقت ذاته لا يُربك المشتركين ولا يبعث برسائل سلبية حول مصير حقوقهم؟.
التحدي الذي يواجه النواب مزدوج، فمن جهة، عليهم قراءة الأرقام بموضوعية، والاستماع إلى الخبراء الاكتواريين والاقتصاديين، وفهم السيناريوهات المختلفة لاستدامة الصندوق، ومن جهة أخرى، عليهم التقاط نبض الشارع، وإدراك أن الثقة رأس مال لا يقل أهمية عن الأرصدة المالية، أي تعديل يمس سن التقاعد أو نسب الاشتراكات أو آليات احتساب الرواتب التقاعدية، يحتاج إلى شرح وافٍ، وحوار شفاف، وضمانات واضحة لا تحتمل التأويل.
الأيام الماضية شهدت جدلًا واسعًا، وتداولًا مكثفًا للآراء عبر الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بعض تلك الآراء يستند إلى مخاوف مشروعة، وبعضها الآخر قد يكون مبالغا فيه، لكن الجامع بينها جميعا هو القلق، والقلق لا يُواجه بالاستخفاف، بل بالمصارحة. ولا يُعالج بتطمينات عامة، بل بتشريعات مدروسة، وصياغات دقيقة، ورسائل واضحة تؤكد أن أموال الضمان خط أحمر، وأن استثماراته تخضع لحوكمة صارمة ورقابة فعالة.
التوافق المنشود لا يعني الوصول إلى صيغة مثالية ترضي كل الأطراف بنسبة مائة بالمائة، فهذا أمر شبه مستحيل في تشريع يمس مصالح متشابكة، لكنه يعني أن يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن ملاحظاته أُخذت بعين الاعتبار، وأن النواب مارسوا دورهم الرقابي والتشريعي بكامل استقلاليتهم ومسؤوليتهم.
بالمجمل فإن مجلس النواب أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء جزء من الثقة بين المواطن ومؤسساته، فإذا أدار هذا الملف بروح وطنية جامعة، وبمنهج تشاركي قائم على الحوار والاستماع، فإنه لن ينجح فقط في إقرار قانون متوازن، بل سيؤسس لنهج مختلف في التعامل مع القوانين ذات الأثر الاجتماعي الواسع، أما إذا طغت الحسابات الضيقة أو تم التعامل مع المشروع باعتباره معركة عابرة، فإن الثمن لن يكون سياسيًا فحسب، بل اجتماعيًا أيضًا، فالضمان ليس بندًا في جدول أعمال، بل عنوان للأمان الاجتماعي في بلد يواجه تحديات اقتصادية معقدة، ومن هنا، فإن نجاح هذا الاختبار سيُكتب في سجل المجلس بوصفه محطة مفصلية، فالرهان الحقيقي ليس على تمرير قانون، بل على حماية مؤسسة وطنية، وصون حقوق الأردنيين، وترسيخ الثقة التي بدونها لا يستقيم أي إصلاح.
"الغد"