التعريب بعد التغريب: استعادة القرار العسكري الوطني
صالح الشرّاب العبادي
02-03-2026 03:32 AM
حين اتخذ الملك الحسين بن طلال رحمه الله قرار تعريب قيادة الجيش في الأول من آذار 1956، لم يكن يتحرك بدافع الرمزية الوطنية أو الانفعال السياسي، بل انطلاقًا من قراءة سيادية عميقة لطبيعة الدولة في لحظة إقليمية شديدة الخطورة ، الأردن كان قد نال استقلاله الشكلي، لكن أحد أهم أعمدة السيادة وهو قرار القوة العسكرية، ظل خارج الإرادة الوطنية، وهو وضع لا يمكن أن يستقيم مع مفهوم الدولة الحديثة.
السبب الجوهري للتعريب كان إدراك القيادة الأردنية أن بقاء القرار العسكري بيد ضباط أجانب يعني عمليًا أن الاستقلال منقوص، وأن أي قرار يتعلق بالحرب أو الردع أو حتى حماية الحدود يبقى مرهونًا باعتبارات دولة أخرى، لا باعتبارات الأمن الوطني الأردني ، وفي إقليم خرج لتوّه من نكبة 1948، ومع وجود إسرائيل كقوة منتشية تسعى لفرض وقائع جديدة، لم يكن مقبولًا أن يكون الجيش الأردني – رغم انضباطه وكفاءته – مقيّد الإرادة.
شكّل التعريب نقلة نوعية في مفهوم السيادة الأردنية، لأول مرة أصبح القرار العسكري أردنيًا خالصًا، يُتخذ داخل الدولة لا خارجها، وهو ما عزّز الاستقلال الحقيقي، لا كشعار سياسي، بل كممارسة عملية ، صحيح أن القرار حمل كلفة سياسية وضغوطًا دولية في ذلك التوقيت، لكنه أسّس لجيش وطني بعقيدة واضحة: حماية الدولة لا مصادرتها، والالتزام بالشرعية لا تجاوزها. ومن هنا، يمكن القول إن تعريب قيادة الجيش لم يكن فقط خطوة لتعزيز السيادة، بل لحظة تأسيسية ضمنت استقرار الدولة الأردنية على المدى الطويل.
قرار تعريب قيادة الجيش جاءت أصداءه متباينة، لكنها كانت كاشفة لطبيعة اللحظة التاريخية التي اتُّخذ فيها.
محليًا، استُقبل القرار بارتياح واعتزاز شعبي واسع، لأنه لامس جوهر الشعور الوطني بأن السيادة لا تكتمل إلا حين يصبح قرار الجيش وطنيًا خالصًا، داخل المؤسسة العسكرية نفسها، عزّز القرار الثقة بالقيادة السياسية، ورفع الروح المعنوية للضباط والجنود، إذ شعروا لأول مرة أن مهنيتهم وتضحياتهم مرتبطة مباشرة بقرار الدولة لا بإرادة خارجية، ما أسّس لعلاقة صحية بين الجيش والدولة استمرت لاحقًا ومنعت انزلاق المؤسسة العسكرية إلى أدوار سياسية.
دوليًا، كانت ردود الفعل أكثر حذرًا وقلقًا، خصوصًا من قبل بريطانيا وحلفائها، الذين نظروا إلى القرار بوصفه سابقة مقلقة في منطقة ما تزال خاضعة لنفوذهم غير المباشر ، ظهرت ضغوط سياسية، وتلويحات بوقف الدعم والمساعدات، ومحاولات تشكيك بقدرة القيادة الوطنية على إدارة جيش محترف في بيئة إقليمية معقّدة ، غير أن هذه الضغوط لم تتحول إلى قطيعة كاملة، لأن القرار الأردني كان محسوبًا بعناية، ولم يُقدَّم بوصفه عداءً للغرب، بل تصحيحًا لعلاقة غير متوازنة.
عربيًا، فقد كان لتعريب قيادة الجيش أثرٌ أبعد من حدوده الوطنية ، فقد منح الأردن مصداقية حقيقية داخل الإطار العربي، باعتباره دولة امتلكت قرارها العسكري دون أن تدخل في مغامرات أو شعارات فارغة ، هذا مكّن الأردن من الانخراط في أي شكل من أشكال التعاون العربي الأمني المشترك من موقع الندية، لا التبعية، وأعطى بعدًا عمليًا لفكرة الأمن القومي العربي، يقوم على جيوش ذات قرار وطني مستقل، قادرة على التنسيق والتكامل لا على تلقي التعليمات من خارج المنظومة العربية.
وبهذا المعنى، لم يخدم التعريب السيادة الأردنية فقط، بل أسهم في ترسيخ قاعدة أساسية للتعاون العربي الأمني: لا تنسيق حقيقي بين جيوش لا تملك قرارها، ولا أمن عربي مشترك دون استقلال الإرادة العسكرية لكل دولة.
بعد تعريب قيادة الجيش العربي الأردني، واجهت المؤسسة العسكرية جملة من التحديات المعقّدة، يمكن القول إنها كانت اختبارًا حقيقيًا لجدوى القرار وصلابته، لا مجرد مرحلة انتقالية عابرة.
أول هذه التحديات كان التحدي المؤسسي والقيادي؛ إذ انتقل عبء القيادة الكاملة، تخطيطًا وتنفيذًا وبناءً للعقيدة، إلى ضباط وطنيين في ظرف زمني ضيق وبيئة إقليمية غير مستقرة. هذا تطلّب إعادة تنظيم منظومة القيادة والسيطرة، وبناء الثقة الداخلية بسرعة، دون السماح بفراغ أو ارتباك قد يُفسَّر خارجيًا على أنه ضعف بنيوي.
التحدي الثاني تمثّل في الضغوط السياسية والمالية الخارجية ، فالتعريب رافقته محاولات ضغط غير مباشرة، شملت تقليص أو تهديد بوقف بعض أشكال الدعم العسكري واللوجستي، فضلًا عن محاولات عزل القرار الأردني سياسيًا أو التشكيك بقدرة الجيش على الحفاظ على جاهزيته ، وكان على القيادة العسكرية أن تحافظ على مستوى الاحتراف والانضباط رغم محدودية الموارد وتقلّبات الدعم.
أما التحدي الثالث فكان العقيدة العسكرية نفسها ، فبعد التعريب، لم يعد الجيش مطالبًا فقط بتنفيذ أوامر، بل بإعادة تعريف دوره ووظيفته في منظومة الدولة ، كان عليه أن يوازن بين متطلبات الأمن الوطني، والتزامه بالشرعية السياسية، وابتعاده عن الانجرار إلى أدوار سياسية أو أيديولوجية، وهو تحدٍّ نجح الأردن في تجاوزه مبكرًا مقارنة بتجارب إقليمية أخرى.
ويُضاف إلى ذلك التحدي الإقليمي والأمني، حيث كان الجيش يعمل في محيط مشتعل بالصراعات، مع عدو واضح على الجبهة الغربية، وحدود حساسة، وتحوّلات سريعة في طبيعة التهديد ، في مثل هذا السياق، كان إثبات الجاهزية والقدرة على الردع ضرورة استراتيجية، ليس فقط للدفاع، بل لتثبيت حقيقة أن التعريب عزّز القوة ولم يُضعفها.
إن التحديات التي واجهت الجيش العربي بعد تعريب قيادته لم تكن بسيطة، لكنها أسهمت وبصورة غير متوقعة ، في صقل التجربة الأردنية ، فقد خرج الجيش من هذه المرحلة أكثر تماسكًا، أوضح عقيدة، وأشد ارتباطًا بالدولة، وهو ما يفسّر استمراره كمؤسسة وطنية مستقرة في إقليم عُرفت فيه الجيوش بتقلّبات أدوارها ومساراتها.
تعريب قيادة الجيش لم يؤدِّ إلى قطيعة عسكرية بين الأردن وبريطانيا، كما كان يتوقع بعض المراقبين آنذاك، بل أسّس في الواقع لمرحلة جديدة من التعاون أكثر توازنًا ووضوحًا ، فالقرار أعاد تعريف العلاقة من صيغة الوصاية غير المعلنة إلى صيغة الشراكة المهنية، وهو تحوّل جوهري في أي تعاون عسكري مستدام.
على المدى القصير بعد تعريب قيادة الجيش ، شهدت العلاقة قدرًا من الفتور والحذر، نتيجة الصدمة السياسية التي أحدثها القرار داخل الدوائر البريطانية، ومحاولات استيعاب واقع جديد لم تعد فيه بريطانيا صاحبة القرار داخل المؤسسة العسكرية الأردنية ، غير أن هذا الفتور لم يتحوّل إلى عداء، لأن التعريب لم يُقدَّم بوصفه خطوة إقصائية أو عدائية، بل باعتباره تصحيحًا سياديًا لعلاقة مختلّة.
على المدى المتوسط والبعيد، أسهم التعريب في تنقية العلاقة العسكرية بين الطرفين ، فقد استمر التعاون في مجالات التدريب والتأهيل وتبادل الخبرات، لكن ضمن أطر واضحة تحترم القرار الوطني الأردني، وتفصل بين الدعم الفني والتدخل في القيادة أو العقيدة العسكرية ، وهذا مكّن الأردن من الاستفادة من الخبرة البريطانية دون الارتهان لها، وجعل التعاون أكثر مهنية وأقل تسييسًا.
الأهم من ذلك أن التعريب منح الأردن هامش مناورة أوسع في علاقاته العسكرية الدولية، فلم تعد بريطانيا بوابته الوحيدة إلى التدريب أو التسليح أو التخطيط، بل أصبحت شريكًا من بين شركاء، تُدار العلاقة معه وفق المصالح المتبادلة لا وفق علاقات تاريخية غير متكافئة ، وبهذا المعنى، فإن تعريب قيادة الجيش لم يُضعف التعاون العسكري الأردني–البريطاني، بل أعاد صياغته على أسس صحية، جعلته أكثر استقرارًا واستمرارية، لأنه قام على الندية والاحترام المتبادل، لا على النفوذ والهيمنة.
الاهتمام الملكي بالجيش اليوم لا يمكن قراءته بوصفه دعمًا تقليديًا لمؤسسة عسكرية، بل كإدارة واعية لتحوّل عميق في طبيعة الحرب ومفهوم الأمن الوطني. ففي عهد الملك عبد الله الثاني حفظه الله ، جرى التعامل مع الجيش باعتباره منظومة بشرية–تقنية–ذكية متكاملة، لا مجرد قوة صلبة تعتمد على السلاح والعديد.
على صعيد الموارد البشرية، تركز الاهتمام على نوعية الجندي والضابط قبل عددهم، من خلال التدريب المتقدم، والاحترافية العالية، وبناء القائد الميداني القادر على اتخاذ القرار في بيئات معقّدة وسريعة التغيّر ، هذا التوجه عزّز ثقافة الجدارة والكفاءة، وربط الانضباط العسكري بالوعي، لا بالطاعة العمياء، وهو ما حافظ على تماسك الجيش وقدرته على التكيّف مع المتغيرات.
أما على المستوى التقني والذكي، فقد أدركت القيادة مبكرًا أن ساحة المعركة لم تعد محصورة في البر أو الجو، بل امتدت إلى الفضاء السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة القيادة والسيطرة المتقدمة ، لذلك جرى الاستثمار في القدرات الرقمية، وأنظمة الاستشعار والمراقبة، وتكامل المعلومات، بما يسمح بالاستجابة السريعة، واتخاذ القرار المبني على البيانات، لا على ردود الفعل المتأخرة.
وفيما يتعلق بـ الأمن السيبراني، أصبح هذا المجال جزءًا أصيلًا من منظومة الدفاع الوطني، لا قطاعًا تقنيًا معزولًا. فالتهديدات الحديثة تستهدف البنية التحتية، وشبكات الاتصال، ومنظومات القيادة قبل أن تستهدف الجنود في الميدان ، ومن هنا، جاء الاهتمام بتأهيل كوادر عسكرية متخصصة، قادرة على حماية الفضاء الرقمي للدولة، والتعامل مع الحروب غير المرئية التي تُدار دون إطلاق رصاصة واحدة.
ولا يقل أهمية عن ذلك الاهتمام بالنشميات الأردنيات وإدماجهن في مجالات متعددة داخل القوات المسلحة، وفق أسس مهنية مدروسة، لا رمزية شكلية ، هذا التوجه لم يكن استجابة لضغوط خارجية أو شعارات حداثية، بل إدراكًا عمليًا بأن الكفاءة لا تُقاس بالجنس الاجتماعي، وأن بعض التخصصات الحديثة – خصوصًا التقنية والطبية واللوجستية والاستخبارية – تستفيد من توسيع قاعدة الكفاءات الوطنية ، وبهذا، أصبحت مشاركة المرأة الأردنية جزءًا من قوة الجيش الناعمة والذكية، دون المساس بثوابته أو عقيدته.
خلاصة القول، إن هذا الاهتمام الملكي يعكس امتدادًا مباشرًا لروح تعريب قيادة الجيش، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين. فكما كان التعريب قرارًا لإعادة امتلاك الإرادة العسكرية، فإن الاستثمار اليوم في الإنسان والتقنية والفضاء السيبراني والتطور التكنولوجي ، والتكامل العملياتي والمهني ، هو قرار لإعادة امتلاك المستقبل، وضمان أن يبقى الجيش الأردني قادرًا على حماية الدولة في زمن لم تعد فيه الحروب تُخاض بالسلاح وحده، بل بالعقل، والمعلومة، والقرار السريع.