مؤشرات مبكّرة على فشل سياسات ترامب
أ.د أحمد بطَّاح
02-03-2026 01:50 PM
عندما تم تنصيب ترامب رئيساً للولايات المتحدة في 20/01/2025 للمرة الثانية شعر بأنه "غير مسبوق" في التاريخ الأمريكي، وبدأ يتصرف في الميدان السياسي وكأنه "ملك" وليس رئيساً مُنتخباً، وقد أوهم كثيرين حول العالم بأنه سوف لن يعمل على ازدهار الولايات المتحدة فقط بل سوف يعمّم السلام في أرجاء العالم متأملاً نتيجة لذلك أن يفوز بجائزة نوبل للسلام شأنه في ذلك شأن بعض الرؤساء الأمريكيين السابقين "كأوباما" و"كارتر" وغيرهم.
ولكن... وبعد مضي سنة تقريباً على توليه الحكم في أغنى وأقوى بلد في العالم بدأت تظهر مؤشرات مبكرة وقوية تدل على فشله أكثر من نجاحه، ولعلّ أهمها:
أولاً: قرار المحكمة الأمريكية العليا الأخير بشأن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على معظم دول العالم بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة، وقد نص القرار بوضوح (ستة قضاة "ضد" بما في ذلك اثنان عيّنهم ترامب وثلاثة "مع") على أنّ ترامب "تجاوز صلاحياته" في فرض هذه الرسوم، الأمر الذي أزعجه وجعله يفكر في بدائل قد لا يستطيع تنفيذها أيضاً!
ثانياً: تراجع الاقتصاد الأمريكي وعدم تحقيقه نسب النمو التي كان يطمح إليها ترامب من خلال "الاستثمارات" التي تحدثّ عنها، والأموال التي جلبها من مناطق مختلفة حيث بينت الأرقام أنّ نسبة نمو الاقتصاد الأمريكي في السنة الفائتة تقل عن نسبة النمو في آخر سنة من سنوات ولاية "بايدن"، والواقع أن كل الشواهد تقريباً تشير إلى غلاء الأسعار وتعثر النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة رغم أنّ ترامب يعتبر نفسه رجل أعمال ناجحاً، وأن الاقتصاد هي "لعبته" المُفضلة، وهو الميدان الذي يمكنه أن يحقق فيه ما لا يستطيع أيّ رئيس آخر أن يحققه!
ثالثاً: انعقاد "مجلس السلام" الذي اخترعه ترامب وأراده بديلاً للأمم المتحدة وليس فقط لحل معضلة قطاع غزة (كما نص على ذلك قرار مجلس الأمن بشأن مجلس السلام) حيث انعقد هذا المجلس بدون قوتين رئيسيتين في العالم وهما الصين (ثاني اقتصاد في العالم) وروسيا (ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم)، ناهيك عن دول الاتحاد الأوروبي (27) وبريطانيا، الأمر الذي يشكك في مصداقية هذا المجلس وقدرته ليس فقط في حلحلة المشكلات العالمية، بل حتى على التعامل مع مشكلة غزة التي ما زالت تراوح مكانها!
رابعاً: توجه الناخبين الأمريكيين نحو الحزب الديمقراطي أكثر من توجههم نحو الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب فقد فاز في الانتخابات الأخيرة التي جرت في الولايات المتحدة كل من "ممداني" الديمقراطي عمدة لنيويورك (وهي مدينة ترامب)، وفاز الديمقراطيون "أندي كيم" و"أدليتا غريخالفا"، و"جيمس والكشو" و"كريشيان مينيفي" لمجلس النواب، كما فاز الديمقراطيون على مستوى حكام الولايات في عام 2025 بجميع الانتخابات التي جرت حيث فاز فيها "مايكي شيريل" (نيوجيرسي)، و"ابيغل سبانبيرفر" (فرجينيا)، ولعلّ ذلك مؤشر واضح على ما يمكن أن يحدث في الانتخابات النصفية الأمريكية التي سوف تجري في 3 تشرين الثاني من العام الحالي 2026 وهي انتخابات مهمة جداً حيث تشمل جميع أعضاء مجلس النواب (435) لفترة سنتين وثلث أعضاء مجلس الشيوخ (33 أو 34) لمدة ست سنوات.
خامساً: استمرار الحرب الروسية الأوكرانية التي وعد ترامب بإنهائها في يوم واحد حيث ليس من الواضح متى ستنتهي هذه الحرب برغم الجهود التي بذلها الرئيس الأمريكي بل والتي من المرجح أن تنتهي بانتصار واضح لروسيا التي تحتل حتى الآن ما يزيد عن 20% من الأراضي الأوكرانية، ولا يبدو أن أوروبا قادرة على مواصلة دعم أوكرانيا بدون الالتزام الأمريكي تجاهها، ومن الجدير بالذكر أن وقف هذه الحرب بشروط معقولة هي المحك الحقيقي من وجهة نظر حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين لقدرة ترامب الزعامية ومصداقية الولايات المتحدة في الإبقاء على حلف شمال الأطلسي (الناتو) وإنجاحه في وجه العدو التقليدي للغرب وهو روسيا.
سادساً: تنامي التباعد الأوروبي عن ترامب بسبب أطماعه في "غرينلاند" التي تتبع مملكة الدنمارك (وهي عضو في حلف الناتو) إذْ لا يفهم الأوروبيين حتى الآن كيف يمكن أن يستولي أحد أعضاء حلف الناتو بل زعيمته وأقوى دولة فيه (وهي الولايات المتحدة) على جزء من أراضي دولة عضو في الحلف! صحيح أنّ ترامب وعد بألّا يستخدم القوة للاستحواذ على غرينلاند ولكن من الواضح أنه لن يتورع عن استخدام أية وسائل أخرى فعالة لتحقيق هدفه!
هل نستطيع أن نغفل هذه المؤشرات الدالة؟ وهل نستطيع أن نتعامى عن مظاهر الإخفاق هذه التي تتردى فيها الإدارة الأمريكية بسبب غرور ترامب، واستخفافه بالقانون الدولي، وعدم تقيده حتى بالدستور الأمريكي، وعدم التزامه بالصلاحيات الممنوحة له كرئيس للولايات المتحدة؟
لننتظر ونرى وإنّ غداً لناظره قريب.