facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




اقتصاد النار الباردة .. من يكتب قواعد الشرق الأوسط الجديد؟


ملاك الكوري
02-03-2026 02:01 PM

في التاريخ الحديث، لم تسقط الإمبراطوريات حين خسرت معركة، بل حين عجزت عن تمويل استمرارها.

القوة لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء تحت ضغط الكلفة.

وما يعيشه الشرق الأوسط اليوم ليس حربا تقليدية تبحث عن لحظة انتصار، بل اختبارا طويلا لقدرة الجميع على تحمل الاستنزاف.

المشهد ليس انفجارا شاملا ، بل احتراق بطيء.

صواريخ تطلق ضمن سقوف محسوبة، تهديدات تصاغ بعناية، واسواق ترتجف قبل أن تتحرك الجيوش.

حين يذكر مضيق هرمز، لا ترتفع الجاهزية العسكرية فقط، بل تقفز مؤشرات الطاقة عالميا.

في هذه اللحظة يتغير تعريف الردع: لم يعد الردع قائما على توازن الرعب النووي أو التفوق الجوي، بل على توازن الكلفة الاقتصادية.

من يستطيع أن يرفع فاتورة المواجهة دون أن يختنق بها اولا ؟

الاستنزاف هنا ليس عرضا جانبيا للصراع، بل جوهره.

انه صراع على الزمن، والزمن في السياسة الدولية هو العملة الأغلى.

كل يوم توتر يعني ارتفاع تكلفة التأمين البحري، تراجع شهية الاستثمار، تباطؤ مشاريع البنية التحتية، واهتزاز ثقة الأسواق.

هكذا تتحول الحرب إلى معادلة مالية مفتوحة: من يملك احتياطيات أكبر؟ من يملك اقتصادا أكثر تنوعا؟ ومن يستطيع الصمود في منطقة رمادية لا هي حرب شاملة ولا هي سلام مستقر؟

القوى الكبرى تدرك هذه الحقيقة جيدا.

فـالصين لا ترى في الإقليم ساحة معركة أيديولوجية، بل عقدة حيوية في أمنها الطاقوي ومبادراتها العابرة للقارات.

والهند تنظر إليه كممر استراتيجي لا يمكن السماح بتحوله إلى نقطة اختناق دائم.

اما الولايات المتحدة، و اسرائيل فتديران التوتر بميزان دقيق: إبقاء الخصوم تحت الضغط دون التورط في حرب شاملھ نوويھ تستنزف مواردهما وتعيد إلى الأذهان دروس الانخراط المكلف في المنطقة.

في المقابل، تتحرك قوى إقليمية مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة وتركيا و الباكستان و الھند و روسيا و الصين بعقلية مختلفة عن عقود مضت: تنويع التحالفات، توزيع المخاطر، وبناء شبكات مصالح عابرة للحدود بدل الارتهان لمظلة واحدة.

النظام الإقليمي الذي يتشكل لن يكون نسخة محدثة من اصطفافات الحرب الباردة، ولا استمرارا لهيمنة أحادية.

انه نظام توازنات مرنة، تدار فيه الأزمات بدل أن تحسم، وتوزع فيه المخاطر بدل أن تحتكر.

لا أحد قادر على إقصاء الاخر بالكامل، ولا أحد مستعد لتحمل انهيار شامل في أسواق الطاقة أو سلاسل الإمداد العالمية.

من هنا، يصبح “اللاحرب واللاسلم” ليس علامة ضعف، ب الية ضبط انتقالية ريثما تستقر معادلات جديدة للنفوذ.

غير أن الحقيقة الأكثر صراحة هي أن الشرق الأوسط يعاد تشكيله وفق منطق اقتصادي بحت.

من يملك الموانئ، يملك مفاتيح التجارة.

من يسيطر على الممرات البحرية، يملك ورقة الضغط.

من راكم احتياطيات مالية واستثمر في التكنولوجيا والاقتصاد المعرفي، يملك القدرة على تحويل الاضطراب إلى فرصة.

أما من بقي أسير اقتصاد ريعي هش أو خطاب تعبوي بلا قاعدة إنتاجية، فسيدفع ثمن الاستنزاف مضاعفا .

السؤال اذن ليس من سيفوز في الجولة المقبلة، بل من سيبقى واقفًا بعد عشر جولات.

النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يقاس بمساحة الأرض المحتلة، بل بقدرة الدولة على تمويل استقرارها واستيعاب صدماتها.

القوة لم تعد مجرد ترسانة عسكرية، بل قدرة مركبة: مالية، تكنولوجية، لوجستية، ودبلوماسية.

الشرق الأوسط يتجه إلى توازن بارد، حيث يعاد توزيع النفوذ تحت سقف توتر دائم.

لن تكون هناك لحظة انتصار صاخبة تعلن نهاية الصراع، بل عملية بطيئة يعاد فيها تعريف من يملك القرار ومن يملك القدرة على فرضه.

وفي هذا السياق، لن يكون المنتصر من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل من يستطيع أن يدفع كلفة الصراع دون أن يفقد توازنه الداخلي.

هكذا تكتب قواعد الشرق الأوسط الجديد: لا في خنادق المعارك وحدها، بل في ميزانيات الدول، وفي قرارات المستثمرين، وفي قدرة الاقتصادات على الصمود.

ومن يفهم أن الاستنزاف معركة زمن لا معركة نار، هو وحده من سيكتب الفصل التالي من تاريخ المنطقة .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :