حين تُضرب الرموز بلا إنذار… من نصرالله إلى خامنئي: سياسة الصدمة واغتيال المعنى
محمد مطلب المجالي
02-03-2026 02:04 PM
لم تعد الحروب تُدار بالدبابات وحدها، ولا تُحسم بالخرائط فقط، بل صارت تُكتب بضرباتٍ مفاجئة تستهدف العنوان قبل الميدان. وحين يُتداول سيناريو النهاية المباغتة لرمزين كبيرين في محورٍ واحد، تتبدّى ملامح عصرٍ جديد: لا حصانة للرمز، ولا زمن للتمهيد، بل ضربة واحدة كفيلة بقلب المشهد وتغيير قواعد اللعبة.
لم يكن حسن نصرالله مجرد قائد تنظيم، بل صورةً إعلاميةً مركّبة: خطابًا وتعبئةً ورمزًا يتجاوز حدود الجغرافيا. وإذا صحّ نمط النهاية المفاجئة المتداول، فإن الاستهداف لا يطال الجسد وحده، بل يضرب الثقة الداخلية في القدرة على الحماية، ويهزّ هيبة الردع القائمة على الحضور الدائم، ويصيب الذاكرة الرمزية التي صنعتها المنابر والشاشات. إنها رسالة تقول إن المعركة لم تعد مع المواقع، بل مع المعاني، وأن الصورة قد تكون هدفًا أخطر من القاعدة العسكرية.
أما استحضار سيناريو استهداف علي خامنئي بالطريقة ذاتها، إن وقع، فيعني الانتقال من منطق ضرب الأذرع إلى منطق ضرب الرأس. فالمرشد الأعلى ليس منصبًا إداريًا، بل عقدة القرار بين الدين والسياسة والعسكر، وسقوطه لا يربك غرفة عمليات فحسب، بل يزلزل بنية النظام ويشوّش شرعيته ويعيد تعريف الردع من فعلٍ عسكري إلى سؤالٍ وجودي. هنا لا تكون الضربة خلخلة تنظيم، بل ارتجاج دولة وعقيدة سياسية معًا.
وإن كان ما يجمع بين الحالتين هو المفاجأة وضربة واحدة حاسمة وغياب التمهيد الإعلامي ورسالة سياسية مضمرة، فإن ما يختلف هو المآل: سقوط قائد ميداني يخلخل محورًا، أما سقوط مرجعية عليا فيهزّ كيانًا. ومن هذا التشابه في الأسلوب، والاختلاف في الأثر، يتشكل نمط يمكن تسميته بسياسة الصدمة؛ ضربة تُربك الحسابات، وتكسر التوقّعات، وتغلق أبواب الرد السريع، لأن الهدف ليس الرد، بل تغيير قواعد الاشتباك نفسها. في هذا النمط تُستبدل الجبهات بغرف معلومات، ويُستبدل القصف بتوقيتٍ قاتل، ويُستبدل الخطاب برسالة صامتة أشد وقعًا من ألف بيان.
المنطقة، في ضوء ذلك، تقف على عتبة زمن مختلف: زمن تُرسم فيه الخرائط بالضربات لا بالاتفاقات، وتُقاس فيه القوة بالقدرة على المفاجأة لا بطول الجبهة، وتُدار فيه السياسة بمنطق الصدمة لا التراكم. ولم يعد السؤال من القادم، بل هل بقي للرمز درع يحميه؟ وحين تُضرب الرموز بلا إنذار، لا يُغتال شخص فقط، بل يُغتال معنى الحصانة ذاته. ومن نصرالله إلى خامنئي، إن تشابه السيناريو، فإن ذلك يعني أننا دخلنا عصرًا تُكتب فيه نهايات الكبار بلا مقدمات، وتُدار فيه الحروب من فوق الرؤوس لا على الحدود.