facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كتاب على الطاولة .. ومقامرة لإعادة هندسة الشرق الأوسط


سمير حمدان - بودابست
02-03-2026 05:55 PM

“في صورة نتانياهو، لم تكن المكالمة هي الحدث، بل كتاب حلفاء في الحرب -Allies At War الموضوع أمامه، كأنه جزء من القرار لا مجرد تفصيل على الطاولة .

في السياسة، التفاصيل لا تُترك للصدفة، والصور لا تُنشر بلا قصد، أحيانًا يكون ترتيب المكتب أهم من نص البيان، وأحيانًا يتقدم غلاف كتاب على صاروخ في سباق “من يشرح الحدث أولًا”، وحين يظهر كتاب «حلفاء في الحرب – Allies at War» على مكتب نتانياهو في لحظة ضرب إيران، فالمشهد لا يوثق اتصالًا فحسب، بل يصوغ رواية، كأن الحرب لا تبدأ بالنار، بل بتسمية ما يحدث، وبإقناع العالم أن ما تراه ليس جولة، بل فصل من مشروع أكبر.

الكتاب يستدعي ذاكرة التحالفات في الحرب العالمية الثانية، ويتوقف عند خطأ التردد وكلفة الانتظار، وفكرته الجوهرية أن الاحتواء قد يتحول إلى وهم إذا أسيء تقدير الخطر، وأن الحسم المبكر قد يكون أقل ثمنًا من مواجهة مؤجلة، الرسالة الضمنية هنا تبدو مباشرة، لا تكرروا خطأ الثلاثينيات، لا تؤجلوا المواجهة، لا تراهنوا على أن الزمن سيحل المشكلة بدلًا منكم، التاريخ يُستدعى ليمنح القرار هالة عقلانية، كأن الماضي جلس إلى الطاولة ليوقّع على الحاضر.

لكن المشكلة أن التاريخ لا يعمل بخدمة “إعادة التشغيل”، والشرق الأوسط ليس نسخة إضافية من أوروبا القرن العشرين، هنا الهويات أكثر تشابكًا، والخرائط أكثر هشاشة، والتحالفات أقل ثباتًا مما تبدو عليه في البيانات الرسمية، وما يُقدَّم باعتباره ضربة محسوبة قد يتحول إلى مسار تصاعدي يصعب ضبطه، والسبب بسيط ومعقد في آن واحد، المنطقة لا تتصرف وفق مخططات مستقيمة، بل وفق توازنات متحركة، ومشاعر جمعية، وحسابات ردع لا تُقاس دائمًا بالمنطق البارد.

وهنا تأتي الجملة التي تختصر الفكرة بلا زخرفة، الشرق الأوسط ليس معمل هندسة يمكن إعادة تصميمه على طاولة مكتب، مهما كان الكتاب الموضوع فوقها أنيقًا، لأن طاولة المكتب لا ترى الشارع، ولا تسمع ذاكرة الجماعات، ولا تقيس أثر الإهانة حين تتحول إلى سياسة، ولا تفهم كيف يمكن لقرار “محدود” أن يفتح أبوابًا لا تُغلق، في هذه المنطقة، الخطأ ليس في التخطيط وحده، بل في الاعتقاد أن التخطيط يكفي.

الضربة لم تبق ضربة، بل بدأت تتسع، الرد يتبعه رد، والدائرة تكبر، وكأن المنطقة تقول بطريقتها الخاصة إن الأمور هنا لا تُحسم بجملة ختامية في مؤتمر صحفي، ثم جاء إغلاق مضيق هرمز ليحوّل المشهد من عملية عسكرية إلى اختبار اقتصادي عالمي، النفط لا يهتم بالرموز، والأسواق لا تقرأ العناوين، هي تقرأ المخاطر، الأسعار ترتفع، تكاليف الشحن تتضاعف، أقساط التأمين تقفز، وسلاسل الإمداد تتوتر، وفي عالم لم يشفَ أصلًا من أزماته السابقة، يكفي توتر طويل في الخليج لإعادة شبح الركود إلى الطاولة الدولية من دون دعوة.

غير أن الأخطر من سعر البرميل اليوم هو اتجاه البوصلة غدًا، حرب طويلة تعني تسريع البحث عن بدائل، وتعني إعادة ترتيب أولويات الطاقة، وربما إعادة توزيع النفوذ بين قوى دولية تتسابق بصمت، بعض الدول ستتعامل مع الأزمة كفرصة لتثبيت مسارات جديدة، وبعضها كتهديد وجودي لاقتصادها، هنا تتغير السياسة الدولية بسرعة لأن فاتورة الطاقة لا تمهل أحدًا، وحين يصبح الاقتصاد رهينة ممر بحري، تتحول الجغرافيا إلى سلاح، ويصبح “الأمن” كلمة ذات معنى محاسبي أيضًا.

في العمق، ما يجري محاولة لإعادة تعريف ميزان القوة في الشرق الأوسط، هناك تصور يقول إن فرض الوقائع بالقوة قد ينتج شرقًا أوسط أكثر انضباطًا وأقل تهديدًا لإسرائيل، وربما أقرب إلى حلم قديم بإسرائيل أقوى وأوسع نفوذًا، لكن الأحلام الجيوسياسية، مثل غيرها، تصطدم بالواقع حين تستيقظ، الأرض ليست فراغًا، والمعادلة السكانية ليست هامشًا يمكن شطبه، وأي حديث عن توسع طويل الأمد أو إعادة تشكيل نهائية يصطدم بحدّين صلبين، حدّ الديموغرافيا وحدّ الشرعية.

الفلسطينيون ليسوا تفصيلًا عابرًا، بل عنصرًا مركزيًا في أي معادلة، القوة قد تغيّر خطوطًا على الخريطة، لكنها لا تغيّر الحقائق الاجتماعية والسياسية بسهولة، والتاريخ الحديث مليء بانتصارات عسكرية بدت حاسمة في يومها، ثم تحولت إلى بدايات لأسئلة أطول، في الشرق الأوسط، النهاية غالبًا لا تأتي في الفصل الذي يظنه المنتصر، لأن الصراع هنا لا يسكن في الخرائط فقط، بل يسكن في الوعي، والوعي لا يوقّع استسلامًا.

ثم إن التحالفات نفسها ليست صخرة صلبة، داخل واشنطن وأوروبا انقسام واضح بين من يرى في التصعيد ضرورة استراتيجية، ومن يخشى الانزلاق إلى استنزاف جديد، بعض الحكومات تنظر إلى الخريطة، وأخرى تنظر إلى أسعار الوقود في محطات بلادها، السياسة الخارجية في الديمقراطيات تمر أحيانًا عبر صندوق الاقتراع قبل أن تمر عبر غرف العمليات، لذلك قد يبدو الدعم قويًا في لحظة، ثم يصبح مشروطًا في لحظة لاحقة، وحين تتسع الحرب، تصبح لغة “الخطوط الحمراء” أقرب إلى لون متغير حسب سوق الطاقة ومزاج الرأي العام.

الاعتقاد بأن الحرب يمكن أن تنتهي بانتصار سريع ونظيف يبدو أقرب إلى أمنية منه إلى قراءة باردة، الحروب في هذه المنطقة لا تنتهي عادة، بل تتغير أشكالها، من مواجهة عسكرية إلى ضغط اقتصادي، ومن ضغط اقتصادي إلى معركة سرديات، ومن سرديات إلى استنزاف طويل يستهلك الأعصاب والميزانيات معًا، القوة قد تحسم جولة، لكنها لا تكتب الخاتمة، والتاريخ، على عكس الصور، لا يحب النهايات المرتبة.

الصورة التي بدأت بها المقالة تختصر المفارقة كلها، الهاتف يرمز إلى التحالف والتنسيق، الخريطة تذكّر بأن الجغرافيا لا ترحم، والكتاب يمنح القرار إطارًا تاريخيًا جاهزًا، لكن مهما كان الغلاف أنيقًا، فالمنطقة ليست كتابًا يمكن إغلاقه بعد الفصل الأخير، هي أقرب إلى رواية مفتوحة، تتغير فصولها كلما ظن أحدهم أنه وصل إلى النهاية، وربما لهذا السبب تُستخدم الكتب في الصورة، لأن الغلاف يوحي بالسيطرة، بينما الواقع يصرّ على الفوضى.

نحن أمام مقامرة استراتيجية حقيقية، الرهان أن التفوق العسكري قادر على إعادة هندسة المنطقة وفق تصور واحد، لكن الشرق الأوسط لا يُعاد تصميمه على طاولة مكتب، وكل محاولة لفرض معادلة مبسطة على واقع معقد تنتهي غالبًا بمزيد من التعقيد، وربما بنقل الصراع من جبهة إلى أخرى بدل إنهائه، ما يبدو حسمًا في الميدان قد يتحول إلى استنزاف في الاقتصاد، وما يبدو ردعًا اليوم قد يصبح وقودًا لسرديات الغد.

الخلاصة أن ما يجري ليس مجرد جولة عسكرية، بل اختبار لحدود القوة نفسها، اختبار لما إذا كان بالإمكان إدارة القرن الحادي والعشرين بمنطق التفوق الأحادي، أم أن المنطقة، بتشابكاتها وعنادهـا، ستفرض توازنات أكثر صعوبة وأقل قابلية للترويض، الصورة قد تعكس ثقة كاملة، لكنها لا تضمن السيطرة، وفي السياسة كما في التاريخ، أخطر ما في المقامرة ليس أن تخسر الجولة، بل أن تربحها ثم تكتشف أن اللعبة تغيّرت.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :