الأردن: تموضع حذر بين صواريخ طهران وحسابات تل أبيب
مأمون المساد
02-03-2026 10:28 PM
في لحظة إقليمية مشتعلة تتقاطع فيها حسابات إسرائيل مع طموحات إيران وأولويات الولايات المتحدة، يجد الأردن نفسه في قلب العاصفة لا على هامشها. فالجغرافيا لا تمنحنا خيار الابتعاد، والسياسة لا تسمح لنا بالاندفاع، وبين صواريخ طهران وحسابات تل أبيب والقرار الأمريكي ، يختار الأردن التموضع الحذر بوصفه استراتيجية بقاء لا ترفاً دبلوماسياً.
الأردن يقرأ هذا الصراع باعتباره أكثر من مواجهة عسكرية تقليدية إنه صراع إرادات إقليمية ودولية، تتجاوز ساحته حدود غزة أو جنوب لبنان أو حتى الداخل الإيراني. من منظور أردني، الخطر لا يكمن فقط في تبادل الضربات، بل في احتمال انزلاق المنطقة إلى إعادة رسم خرائط النفوذ، بما يضع حدود المملكة في تماس مباشر مع معادلات جديدة غير مستقرة.
أمنياً، فإن القراءة الأردنية للحرب تنطلق من سؤال محوري: كيف يمكن منع انتقال الصراع إلى الداخل أو إلى المجال الحيوي للمملكة؟.
في المقابل، العلاقة مع إسرائيل محكومة باتفاقية سلام، لكنها ليست تحالفاً عسكرياً مفتوحاً. الأردن يدرك أن أي مواجهة واسعة بين إسرائيل وإيران قد تضعه أمام اختبارات دقيقة، خصوصاً إذا توسع الدور الأمريكي عسكرياً. فوجود واشنطن في المعادلة يعني أن الصراع لم يعد ثنائياً، بل بات جزءاً من صراع نفوذ أوسع بين قوى كبرى، وهو ما يضاعف احتمالات التصعيد غير المحسوب.
سياسياً، يقرأ الأردن المشهد على مستويين: الأول علني يتمثل في الدعوة لخفض التصعيد ومنع الحرب الشاملة، والثاني استراتيجي يقوم على التحضير لكل السيناريوهات. فالمملكة تدرك أن أي حرب ممتدة ستؤثر في الاقتصاد، والطاقة، وحركة التجارة، والاستقرار الاجتماعي. ومن هنا، يصبح الاستقرار الإقليمي مصلحة أردنية عليا، لا مجرد شعار دبلوماسي.
كما أن عمّان تربط بين جذور التوتر الحالي واستمرار غياب أفق سياسي للقضية الفلسطينية. فالتصعيد، في القراءة الأردنية، ليس معزولاً عن انسداد المسار السياسي، وهو ما يجعل المنطقة عرضة لانفجارات دورية. لذلك، يحرص الأردن على إعادة التأكيد أن الحلول العسكرية لن تنتج أمناً دائماً لأي طرف.
في المحصلة، لا يقف الأردن في صف المتفرجين، ولا في خندق المقاتلين. إنه يتموضع في مساحة دقيقة بين التزاماته الدولية، وشراكاته الاستراتيجية، وهواجسه الأمنية. يقرأ الحرب باعتبارها اختباراً لتوازن المنطقة بأسرها، ويعمل على تفادي أن يتحول إلى ساحة أو طرف مباشر فيها.
وسط عاصفة إقليمية مفتوحة على احتمالات التصعيد الأمريكي – الإسرائيلي في مواجهة إيران، يراهن الأردن على سياسة العقل البارد: حماية السيادة، تحصين الداخل، والانخراط دبلوماسياً لمنع الانفجار الكبير. فبالنسبة للاردن ، أخطر ما في هذه الحرب ليس ما يجري الآن، بل ما قد تجرّه من تحولات دائمة في خرائط القوة والحدود والنفوذ.