التموضع الذكي في زمن الاشتعال: قراءة في إدارة الأردن للأزمة الإيرانية
د. مثقال القرالة
04-03-2026 12:44 PM
في لحظة إقليمية تتكثف فيها خطوط النار وتتقاطع فيها استراتيجيات الردع مع حسابات النفوذ، يجد الأردن نفسه محاطاً بحزام ملتهب من التوترات، في ظل حرب إيرانية تتجاوز بعدها الثنائي إلى فضاء اشتباك دولي مفتوح. هنا لا يكون القرار ترفاً، ولا يكون الموقف مجرد تصريح سياسي، بل يصبح فعلاً سيادياً محسوباً بدقة، يوازن بين الضرورات الأمنية والاعتبارات الاقتصادية والالتزامات الإقليمية. وفي هذا السياق تتجلى حنكة جلالة الملك عبدالله الثاني حفظة الله ورعها بوصفها نموذجاً لقيادة تقرأ المشهد من زاوية الدولة لا من زاوية اللحظة، ومن منطق المصلحة الوطنية العليا لا من إيقاع الشارع أو ضغط الاصطفافات. القراءة المتأنية للموقف الأردني تكشف أن ما بدا للبعض حياداً، كان في حقيقته تموضعاً استراتيجياً واعياً. فالأردن يدرك أن الحروب الكبرى لا تُدار فقط في الميدان، بل في غرف التخطيط الاستراتيجي، حيث تُرسم خرائط النفوذ وتُعاد صياغة التوازنات. والانخراط غير المحسوب في صراع إقليمي واسع يعني تعريض الدولة لاختبارات استنزاف طويلة الأمد، سياسياً واقتصادياً وأمنياً. لذلك جاءت السياسة الملكية محكومة بقاعدة صلبة: حماية الداخل أولاً، وصون السيادة فوق كل اعتبار، ومنع تحويل الأردن إلى ساحة عبور أو ساحة رسائل متبادلة بين القوى المتصارعة.
هذه المقاربة لم تكن تعبيراً عن تجنب المواجهة، بل عن فهم عميق لمفهوم القوة في عالم متغير. فالقوة ليست فقط في إعلان المواقف الحادة، بل في القدرة على إدارة التوازنات دون خسارة أي من دوائر العلاقات الحيوية. الأردن بحكم موقعه الجيوسياسي يقف عند تقاطع مصالح إقليمية ودولية معقدة؛ وهو ما يفرض على قيادته أن تتحرك ضمن هامش دقيق، لا يسمح بالانزلاق ولا يقبل بالتفريط.
من هنا جاء الخطاب الأردني عقلانياً، محسوباً، داعياً إلى خفض التصعيد، ومؤكداً في الوقت ذاته أن أمن المملكة وحدودها وأجواءها خط أحمر لا يُساوَم عليه. في علم السياسة، هناك فارق بين الحياد السلبي والحياد النشط. الأول انسحاب من المشهد، والثاني إدارة واعية للمشهد من خارج أتون الصراع. ما قام به جلالة الملك عبدالله الثاني اطال الله في عمره يندرج بوضوح ضمن الحياد النشط؛ فهو لم ينكفئ، بل كثف اتصالاته، وفعّل قنواته الدبلوماسية، وتعامل مع الأزمة باعتبارها تهديداً محتملاً للاستقرار الإقليمي يجب احتواؤه لا تأجيجه. هذه الدبلوماسية الوقائية تعكس خبرة تراكمية في إدارة الأزمات، حيث لا يُترك الفراغ ليستغله الآخرون، ولا تُفتح الأبواب أمام سيناريوهات يصعب ضبطها لاحقاً.
اقتصادياً، يدرك صانع القرار الأردني أن الحروب الحديثة تدار بسلاح الطاقة وأسواق المال بقدر ما تدار بالصواريخ والطائرات. أي اضطراب إقليمي واسع يعني ارتفاع كلف الطاقة، واهتزاز سلاسل الإمداد، وتراجع الاستثمار، وزيادة الضغط على الموازنة العامة. ومن ثم فإن تجنيب الأردن الانخراط في حرب لا تعود عليه بمكاسب استراتيجية هو في جوهره حماية للطبقة الوسطى، وصون للاستقرار الاجتماعي، وتحصين للمالية العامة من صدمات لا طاقة لها بها. هنا تتجسد كرامة الوطن في قدرته على حماية اقتصاده، وتُصان كرامة المواطن في بقاء حياته اليومية بعيدة عن ارتدادات قرارات غير محسوبة. أما أمنياً، لم يكن الموقف الأردني موقف انتظار سلبي. فالجاهزية الدفاعية رُفعت، والرسائل السيادية أُرسلت بوضوح، دون ضجيج أو استعراض. الدولة التي تحترم نفسها لا تسمح بانتهاك أجوائها أو حدودها، لكنها في الوقت ذاته لا تبحث عن معركة تثبت من خلالها حضورها. هذا التوازن بين الحزم وضبط النفس هو جوهر القيادة الرشيدة؛ فالتصعيد سهل، أما إدارة التهدئة فهي فعل يحتاج إلى شجاعة سياسية أكبر.
ثمّة بعد آخر في سياسة الملك يتمثل في إدراكه لطبيعة البيئة الداخلية الأردنية. مجتمع متعدد الاهتمامات والانتماءات، يتأثر بما يجري في الإقليم، لكنه في الوقت ذاته يحتاج إلى استقرار مؤسسي يحميه من الانقسام. الخطاب الملكي، المتزن وغير الشعبوي، حافظ على وحدة الجبهة الداخلية، ووجّه البوصلة نحو المصلحة الوطنية الجامعة بدل الانخراط في سجالات عاطفية قد تفتح أبواب الاستقطاب. لقد كان بإمكان الأردن أن يختار طريق الشعارات العالية، وأن ينخرط في اصطفافات حادة تعطيه حضوراً إعلامياً مؤقتاً، لكنه اختار طريق الدولة العميقة التي تحسب أثر كل خطوة على العقد القادم لا على العنوان العاجل في نشرات الأخبار. هذه هي الحنكة السياسية بمعناها الحقيقي: أن ترى ما وراء اللحظة، وأن تدرك أن أعظم القرارات أحياناً هو القرار الذي يمنع الانزلاق لا الذي يفتح جبهة جديدة.
في المحصلة، ما نشهده ليس مجرد موقف عابر من أزمة إقليمية، بل تعبير عن فلسفة حكم متجذرة تقوم على الواقعية السياسية، وإدارة المخاطر، وصيانة السيادة، وتقديم مصلحة الوطن والمواطن على أي اعتبارات أخرى. سياسة جلالة الملك حفظة الله في هذه الحرب تعكس فهماً عميقاً لمعادلة دقيقة: الأردن ليس طرفاً في هذا الصراع، لكنه ليس غافلاً عن تداعياته؛ وهو ليس دولة هامشية، لكنه أيضاً ليس دولة مغامرة. وهكذا، وبين ضجيج المدافع وخطابات الاصطفاف، اختار الأردن أن يكون صوت عقل في زمن الانفعال، وأن يحمي أرضه واقتصاده ومجتمعه من حرب ليست له فيها ناقة ولا جمل. وفي ذلك تتجلى الخبرة السياسية التي لا تُقاس بعدد المعارك التي خاضتها الدولة، بل بعدد المعارك التي نجحت في تجنبها دون أن تفقد هيبتها أو كرامتها.