في بواكر الصباح، حين تستفيق البلاد على أول الضوء، تحلّق الطيور فوق الحقول والبيوت العتيقة؛ تحمل في أجنحتها عناء الأرض وذاكرة الآباء، تحطّ على أشجار غرسها الجدّ الأول، وترتوي من ماءٍ جرى في القنوات منذ عهد الإمارة. هناك، حيث السماء فسيحة، تبدو الحياة في مجراها الطبيعي عفوية كخفقة قلب.
وعلى ضفة أخرى من المشهد، تمتد متاهة السجلات.
صفوف متراصة من الورق والخانات والأختام؛ أبوابٌ تؤدي إلى سراديب، وصفحات تترقب توقيعاً، وتواقيع تطارد صفحة ضائعة. في هذا العالم، يتحول كل جناح يحلق قريباً إلى ملف، ويغدو كل صوتٍ مجرد بند في حاشية الورق. هنا يتجمد الزمن بين الحروف والقيود.
في البلاد أيضاً طيور كثيرة..
طيور خرجت من بيوت قديمة، من قرى علّمت أبناءها معنى الكرامة. طيور تعلّمت الطيران فوق الجبال والسهول، وحفظت أسماء المدن والوديان، وتحمل في صدورها حكايات الجنود والمعلمين والحراثين، وتعرف أن الوطن شجرة كبيرة جذورها في التاريخ، وأن جذورها تمتد في كل قلب صادق.
هذه الطيور تحمل الذاكرة والكرامة؛ كرامة الآباء الذين وقفوا على تخوم الصحراء يحرسون الفكرة الأولى للدولة، وكرامة المدن التي بنت مدارسها بعرق أهلها، وكرامة القرى التي نشّأت أبناءها على أن الاسم الشريف أثقل من المناصب، وأن السيرة الطيبة أرسخ من الألقاب.
تعرف هذه الطيور سرّاً قديماً: الرزق طريقه مكتوب عند رب العالمين، والعمل الصادق يمضي بصاحبه كما يمضي النهر في مجراه. الأرزاق تسير بأمر الله، والصفحات تبقى صفحات، والحق يلمع في صبر القلب، لا في حجم الخانات أو قوة الأختام.
هذه الطيور أرفع من الخانات؛ تستمد قوتها من إيمانٍ عتيق بأن الأرزاق بيد خالق السماوات، وأن العمل الصادق يمضي بصاحبه كما ينساب النهر إلى مستقرة. فبينما تسعى المتاهة لوزن كل شيء بميزان البيروقراطية الجامد، تعلو الطيور فوق الجداول، وتكتب سطور حريتها في الهواء الطلق.
الهواء فضاء مفتوح، والطريق يمتد في الأرض كما يمتد الضوء في الصباح. الكرامة تسكن في القلب، والجناح الذي يعرف الطريق يستمد قوته من السماء، والرزق يأتي من يد خالق كل شيء في الوقت المناسب، بلا استعجال.
تمرّ الطيور فوق المدينة، وتنظر إلى البيوت القديمة والمدارس والأشجار التي كبرت مع الأطفال. ترى تاريخاً طويلاً من العمل والصبر، وتلمس أثر كل يد امتدت للبناء والصمود. وتشعر بأن السماء بيت واسع، وأن الأرض تحته تحمل اسماً واحداً: الأردن.
في النهاية، ينكشف المشهد الكامل: الطيور تعبر المتاهة، والأجنحة تكتب سطورها في الهواء، والسماء تتسع لكل جناح يعرف الطريق. ستبقى هذه الطيور تحلق فوق السجلات والمدن، تحمل قصة وطن كامل، وتمضي بهدوء الواثقين: الكرامة دربٌ لا يضل، والرزق آتٍ كالفجر، والحقُّ صنو الصبر.