facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أعظم المسارات بمكرمة ملكية خالصًة لبيتِ الله الحرام


عبدالرحيم العرجان
10-03-2026 01:14 PM

في لحظةٍ لم تكن على موعدٍ معها، وأنت في صعيد مصر من رحلة ( من نهر الأردن الى النيل في أرض العجائب) الذاتية المبادرة، يأتيك اتصالٌ يحمل في نبرته بُشرى، وفي معناه كرامة وتقدير؛ مكالمة من مكتب جلالة الملكة رانيا العبدالله، تُخبرك بمكرمةٍ ملكية لأداء العمرة في العشر الأوائل من شهر رمضان المبارك، في تلك اللحظة، شعرتُ أن الله إذا أراد أن يُكرم عبدًا ساق إليه الأسباب بلطفٍ لا يُرى.
فإذا بفرح العطاء يمحو عنك وعثاء أربعين يومًا من الترحال بين دروب المملكة العربية السعودية وأرض الكنانة، وإذا بقلبك يزداد يقينًا أن الجهد الصادق لا يضيع، وأن من يعمل بصمتٍ تلتقطه عين التقدير ولو بعد حين.

عدنا من مسارنا، ولم نكد نلتقط أنفاسنا حتى شددنا الرحال إلى القبلة الأولى لقلوبنا؛ إلى أقدس بقاع الأرض، حيث تهفو الأرواح قبل الأجساد. كنّا فوجًا جمعته المكرمة الملكية: نشطاء عملوا في الظل، عسكرياتٍ حملن شرف الخدمة باقتدار، متطوعين، ربّات بيوت، وأخواتٍ لم يسبق لهن أن عبرن حدود الوطن، ولا لامست أعينهن الكعبة المشرفة. جمعنا شهر الكرم، وجمعتنا نعمة الاختيار.
في قاعة المغادرين، لم تكن المعرفة سابقة، لكن الأُلفة سبقت الأسماء. تعارفنا بالابتسامة، وتآخينا بالنية، ومضينا وكأن بين القلوب عهداً قديماً لا يُرى.

وحين أقلعت الطائرة، لم يكن الصمت صمتًا؛ كان دعاءً هامسًا، وكانت العيون تترجم الشوق دمعًا خفيًا. وما إن أُعلن الميقات، حتى تجردنا من زينة الدنيا، ولبسنا بياض القصد وصفاء النيه، وأحرمنا كما يُحرم القلب حين يعزم الرجوع إلى ربه، ومنذ تلك اللحظة لم نعد مسافرين… بل عائدين.

دخلنا المسجد الحرام، واستقبلتنا الكعبة المشرفة بهيبتها التي تُسكت الضجيج في الداخل قبل الخارج. هناك، لا تكون الدموع ضعفًا، بل يقينًا. دمعةٌ تسقط وأنت واقف بين يدي الله، يذوب في حرّها ما تراكم في صدرك من أعباء، وأخرى تنحدر حين تسمع لغات الأرض كلّها ترتفع بنداءٍ واحد: يا رب.

بلغاتٌ شتى، وأصواتٌ متباينة هذا يسأله الستر، وتلك ترجوه الشفاء، وآخر يناجيه بفرجٍ لقلبٍ طال انتظاره. تكتشف أن الوجع واحد، وإن اختلفت الحكايات، وأن الرجاء في بيت أرحم الراحمين أوسع من كل ألم، بلا حواجز، بلا فوارق، بلا أسماء.

وفي السعي بين الصفا والمروة، تستحضر قصة أمٍ تركض بقلبها قبل قدميها؛ هاجر عليها السلام، حين ضاقت بها الأرض بما رحبت، فوسّع الله لها السماء عطاءً. سبع مراتٍ من القلق تحولت يقينًا، ومن لهفةٍ خرجت زمزم؛ ماءٌ لم يكن مجرد نجاةٍ لطفل، بل حياةً لأممٍ إلى يوم الدين.

تمضي المناسك، ويتخفف القلب كما يتخفف الجسد من إحرامه. ومع كل أذان فجر، وكل طواف تطوع، وكل سجدةٍ في جوف الليل، تشعر أنك تولد من جديد؛ أخفّ مما كنت، وأصدق مما كنت، وأقرب مما كنت. تهدي عمرةً لمن تحب، وتهمس بأسماءٍ لا يغيب أصحابها عن دعائك، وتؤمن أن الكريم يضاعف، وأن البلد الأمين لا يردّ قاصدًا أخلص المسير.

ومن نافذة غرفتك، حين تطل على بيت الله، تدرك أن الفراق هو الامتحان الأصعب. تتمنى لو يتوقف الزمن عند مشهد الكعبة، عند طمأنينة الفجر، عند لحظةٍ بينك وبين ربك لا يشاركك فيها أحد. فلا تغادر إلا لجسدٍ له حق الراحة، أو لقوتٍ يعينك على قيام ليلةٍ أخرى.
هي ليست رحلة طريق، بل رحلة عودة.

ليست انتقالًا في الجغرافيا، بل ارتقاء في الداخل.

هناك، تعلّمت أن أجمل المسارات ما كان خالصًا لبيت الله الحرام،

وأن الطريق إليه يبدأ من قلبٍ صادق… وينتهي بقلبٍ جديد.

وأن هناك من يرقب عملك ويأتي التقدير دون طلب او منه.

وتبقى هذه الرحلة شاهدًا على أن العطاء حين يصدر من القلوب الكبيرة، يصنع أثرًا لا تمحوه الأيام. فالشكر الجزيل لجلالة الملكة رانيا العبدالله، التي جعلت من مكرمتها جسراً من نورٍ يصل القلوب ببيت الله الحرام، ويمنح الأرواح فرصة الطواف حول معنى الكرامة. إن هذه المواقف النبيلة ليست إلا امتدادًا لنهجٍ كريمٍ في صنع الأمل، ورسالةً سامية بأن الإنسان أغلى ما تُهدى إليه المكارم. حفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين العظم، وولي عهده الأمين، وأبقى الأردن منارةً للخير، وموطنًا للعطاء.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :