facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ما بعد الحرب .. اقتصاد الشرق الأوسط بين صدمة النفط واختبار البقاء


د. مثقال القرالة
11-03-2026 01:32 PM

الحروب في الشرق الأوسط لا تُقاس بنتائجها العسكرية فقط، بل بقدرتها على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. فهذه المنطقة لم تكن يوماً مجرد ساحة صراع جيوسياسي، بل تمثل قلب معادلة الطاقة والتجارة الدولية، حيث تمر عبرها أهم شرايين النفط والغاز، وتتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى. ولهذا، فإن أي حرب تقع فيها لا تبقى محلية، بل تتحول إلى زلزال اقتصادي تتردد أصداؤه في الأسواق العالمية. فالحرب الإيرانية-الإسرائيلية الحالية تمثل واحدة من أخطر لحظات التوتر في الجغرافيا السياسية المعاصرة، ليس فقط لأنها تجمع قوتين إقليميتين مؤثرتين، بل لأنها تدور في منطقة تتحكم بجزء كبير من أمن الطاقة العالمي. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الاقتصاديون اليوم ليس من سيربح المعركة عسكريًا، بل كيف سيبدو الاقتصاد الإقليمي والعالمي بعد انتهاء هذه الحرب.

اقتصادياً، أول ما يتأثر في مثل هذه الصراعات هو سوق الطاقة العالمي. فمجرد اقتراب التوتر من مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، يكفي لإدخال الأسواق في حالة من القلق الحاد. النفط في هذه المنطقة ليس مجرد سلعة، بل عنصر استراتيجي في استقرار الاقتصاد العالمي. وعندما ترتفع احتمالات تعطّل الإمدادات، ترتفع الأسعار تلقائياً، ليس فقط بسبب نقص المعروض، بل بسبب ما يسمى في الاقتصاد بـ علاوة المخاطر الجيوسياسية. لكن قراءة التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب لا يجب أن تقتصر على النفط وحده. فالحروب الحديثة تُنتج آثاراً اقتصادية أوسع بكثير، تمتد إلى التجارة العالمية، والأسواق المالية، وسلاسل الإمداد، وحتى أنماط الاستثمار الدولي. أحد أبرز هذه الآثار يتمثل في اضطراب سلاسل التوريد العالمية. فالشرق الأوسط يقع في قلب الطرق التجارية التي تربط آسيا بأوروبا، سواء عبر البحر الأحمر أو قناة السويس أو الخليج العربي. ومع تصاعد المخاطر الأمنية، ترتفع تكاليف الشحن البحري والتأمين على السفن، وقد تضطر الشركات العالمية إلى إعادة توجيه خطوط التجارة عبر طرق أطول وأكثر تكلفة. وهذا بدوره ينعكس مباشرة على أسعار السلع في الأسواق العالمية.

كما أن الحرب تؤثر بشكل مباشر على الأسواق المالية العالمية. ففي أوقات التوترات الجيوسياسية يميل المستثمرون إلى تقليل المخاطر، فيتجهون إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار والسندات الحكومية، بينما تتراجع الاستثمارات في الأسواق الناشئة والمناطق القريبة من بؤر التوتر. وهذا التحول في تدفقات رؤوس الأموال يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار العملات وأسواق الأسهم. ومن الآثار الاقتصادية المهمة أيضاَ ارتفاع تكلفة التأمين والمخاطر الاستثمارية. فالشركات متعددة الجنسيات تعيد تقييم استثماراتها في المناطق القريبة من الصراعات، وقد تؤجل مشاريعها أو تنقلها إلى مناطق أكثر استقراراَ. وهذا يعني أن بعض الاقتصادات في المنطقة قد تواجه تباطؤًا في تدفق الاستثمارات الأجنبية في المدى القريب. كذلك فإن الحروب الكبرى غالباَ ما تؤدي إلى زيادة الإنفاق العسكري في المنطقة، وهو ما يضغط على الموازنات العامة للدول ويؤدي إلى إعادة توزيع الموارد المالية من قطاعات التنمية إلى قطاعات الأمن والدفاع. وعلى المدى الطويل، يمكن أن ينعكس ذلك على معدلات النمو الاقتصادي وجودة الخدمات العامة.

أما فيما يتعلق بدول الخليج، فإنها قد تحقق مكاسب مالية مؤقتة نتيجة ارتفاع أسعار النفط، لكن هذه المكاسب لا تلغي المخاطر المرتبطة بعدم الاستقرار الإقليمي. فالاقتصادات الخليجية اليوم تعتمد بشكل متزايد على جذب الاستثمارات والسياحة والمشاريع الكبرى ضمن برامج التحول الاقتصادي، وهذه القطاعات تتأثر بشدة بأي توترات جيوسياسية. لكن التحدي الأكبر قد يواجه الدول غير النفطية في المنطقة مثل الأردن ومصر ولبنان، حيث تكون الاقتصادات أكثر حساسية لارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات التجارة العالمية. فهذه الدول تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة، وأي ارتفاع في أسعار النفط والغاز يزيد من كلفة الإنتاج والكهرباء والنقل، ويضغط على الموازنات الحكومية ويرفع معدلات التضخم. كما أن هذه الاقتصادات تعتمد بدرجات متفاوتة على السياحة والتحويلات المالية والاستثمار الخارجي، وهي قطاعات تتأثر بسرعة بالتوترات الإقليمية. فعندما تتصاعد المخاطر في المنطقة، يتراجع تدفق السياح، ويتردد المستثمرون في توسيع استثماراتهم، وهو ما ينعكس على معدلات النمو وفرص العمل.

ومن هنا، فإن الحكمة الاقتصادية تقتضي من الدول غير النفطية أن تتعامل مع هذه المرحلة بمنطق التحوط الاستراتيجي وليس بردود الفعل المؤقتة. وأهم نصيحة يمكن تقديمها لهذه الدول هي العمل على تقليل انكشافها الاقتصادي على صدمات الطاقة والاضطرابات الجيوسياسية. يتطلب ذلك أولاَ تسريع الاستثمار في الطاقة البديلة والمتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتقليل الاعتماد على استيراد الوقود. فكل ميغاواط من الطاقة المحلية المنتجة يعني تقليل فاتورة الاستيراد وتعزيز الأمن الطاقي. وثانيًا، ينبغي العمل على تنويع مصادر الاستيراد وسلاسل التوريد، بحيث لا تعتمد الاقتصادات على مسارات تجارية محدودة قد تتعرض للاضطراب في أوقات الأزمات.

فتنويع الشركاء التجاريين يخفف من أثر الصدمات المفاجئة في التجارة الدولية. وثالثًا، من الضروري تعزيز المرونة المالية والاقتصادية من خلال إدارة أكثر كفاءة للدين العام، وتعزيز الإيرادات المحلية، وتوجيه الإنفاق العام نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق فرص عمل مستدامة. كما أن تطوير الاقتصاد الرقمي والقطاعات المعرفية يمكن أن يمنح هذه الدول مصادر دخل أقل تأثرًا بالتقلبات الجيوسياسية مقارنة بالقطاعات التقليدية. وفي حالة الأردن تحديداً، فإن الاقتصاد الأردني يمتلك ميزة نسبية في قطاعات مثل الخدمات والتعليم والسياحة العلاجية وتكنولوجيا المعلومات. واستثمار هذه المزايا بشكل استراتيجي يمكن أن يقلل من حساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية.

في النهاية، فإن الحرب الإيرانية-الإسرائيلية ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هي حدث جيوسياسي يحمل في طياته احتمالات إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية في المنطقة والعالم. فالحروب الكبرى غالباً ما تفتح الباب لتحولات اقتصادية عميقة، سواء في أسواق الطاقة أو في أنماط الاستثمار والتجارة العالمية. ويبقى الدرس الأهم أن الاقتصادات التي تمتلك مرونة هيكلية وتنوعاً في مصادر الدخل تكون أكثر قدرة على تجاوز العواصف الجيوسياسية. أما الاقتصادات التي تعتمد على مصدر واحد للدخل أو على مسارات تجارية محدودة، فإنها تكون أكثر عرضة للصدمات. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب من دول المنطقة خصوصًا غير النفطية أن تنظر إلى هذه الحرب ليس فقط باعتبارها أزمة، بل أيضاً باعتبارها جرس إنذار اقتصادي يدفعها إلى تسريع الإصلاحات وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود في عالم يتغير بسرعة. فالعالم بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها، والاقتصاد العالمي سيخرج منها بتوازنات جديدة، وأسواق أكثر حساسية للمخاطر، ووعي أكبر بأن استقرار الشرق الأوسط ليس مجرد مسألة سياسية، بل شرط أساسي لاستقرار الاقتصاد العالمي بأسره.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :