facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عصفور التين


د. جاسر خلف محاسنه
11-03-2026 01:35 PM

في جبال عجلون وامتداداتها نحو جرش، عرف الناس أرضهم منذ قرون من خلال تسميتين قديمتين: الخيط والمعراض.

الخيط امتداد طويل من القرى المصطفّة فوق كتف الجبل، يشرف على الأغوار وفلسطين؛ قرى تصطف كأنها خرزات على خيط واحد يمتد مع امتداد السفح الغربي، حاملةً معها هوية الأرض وروح أهلها. أما المعراض فهو الأرض الوعرة، المرتفعات التي تعترض الطريق بين جرش وعجلون، وتمر عبر القرى التي حملت ذاكرة الجبال لأجيال، حيث يعرف أهلها كل زاوية من الصخور وكل وادٍ من الأودية العميقة، ويقرأون التضاريس كما يقرأون كتاباً مفتوحاً.

في هذه الجبال، حيث تختلط الصخور بالغيوم، يلوح عصفور التين فوق الأغصان المثقلة. هو رشيق، خفيف الجناح، لا يحضر إلا حين يثقل الغصن بالتين العسالي و الخضاري و السوادي والموازي والخرطماني؛ يجني دون أن يزرع، مثل أولئك الذين يمرّون على الأرض بعد أن يثقلها كدُّ الآخرين، منتظرين اللحظة المناسبة للانقضاض. جناحه يلمع في ضوء الصباح، وصوته قصير لكنه يعلن توقيته؛ حاضر فقط حين تأتي الحلاوة، وحاضر فقط حين يعرف أن الأرض موعودة.

وعلى أطراف الحقول والمرتفعات، يقف عصفور الشوك؛ صغير الحجم، خشن الصوت، وجناحه لا يعرف الراحة. يقف على أعواد البلان اليابسة، وبين أسيجة الصبار والحجارة؛ حاضرٌ دائمًا، يعرف الصبر كما يعرف الفلاح الصخور تحت يده، رمزٌ لكل من يبني ويصمد في وجه الريح والصعاب، ومن يعرف معنى الأرض ويحبها رغم قسوتها.

الجبال تحفظ أسماء الطيور والناس معًا؛ تعرف الطائر الذي جاء للثمار، وتعرف الطائر الذي عاش مع الريح والشوك. وتعرف البشر الذين قضوا العمر على سفوح المعراض، بين الصخور والأشجار، الذين حملوا الأرض في أقدامهم وتركوا للأجيال إرث الصبر والكرامة.

وحين تمر السنوات، تصبح الأشجار شاهدة على زمن الطيور والناس معًا. الغصن الممتلئ يجذب عصفور التين دائمًا، لكن الأرض لا تنسى عصفور الشوك، الطائر الذي بقي رغم الريح والصقيع. فالأرض لا تخطئ في معرفة من صمد ومن انتظر.

لهذا تبقى الجبال هادئة، صامدة، تحمل بين أغصانها وفي جذورها رموز صمود أهلها: الطيور التي تعرف الطريق، والأشجار التي تحفظ التاريخ، والوديان التي تفصل بين الخيط والمعراض كأنها شرايين الحياة نفسها.

وفي نهاية كل صيف، حين تخفّ الثمار وتعود الأغصان خفيفة، يصبح الهواء صافياً فجأة؛ تختفي أصوات كثيرة من السماء، وتبقى فوق التلال أصوات الطيور التي لم تنتظر التين كي تعرف طريقها إلى الجبال.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :