facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مراكز بحثية طبية متقدمة وتكنولوجيا تحلية واعدة .. لماذا لا تجد إهتماما؟


أ.د. محمد الفرجات
12-03-2026 11:01 AM

في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم لبناء مراكز علمية متقدمة وتحويلها إلى منصات نفوذ علمي واقتصادي عالمي، تمتلك مدينة العقبة في أقصى جنوب الأردن نماذج علمية وبحثية متقدمة للغاية، لكنها لا تزال خارج دائرة الضوء والاهتمام الوطني الكافي.

فالعقبة لا تمتلك فقط موقعاً استراتيجياً وميناءً دولياً وسياحة عالمية، بل تمتلك أيضاً بذور منظومة علمية قادرة – إن أحسن استثمارها – على وضع الأردن على خارطة البحث العلمي والتكنولوجيا التطبيقية في مجالات أبحاث الطب والعلاج والمياه والغذاء.

ومن أبرز هذه النماذج المركز الدولي للأبحاث الطبية (IMRIC) في العقبة، وهو منشأة بحثية متقدمة متخصصة في الأبحاث الطبية على المستوى الخلوي والجزيئي.

هذا المركز يمثل بنية تحتية علمية نادرة في المنطقة، حيث يضم أجهزة دقيقة ومتطورة للغاية تمكن الباحثين من إجراء دراسات متقدمة في مجالات الطب الحيوي والأمراض الجزيئية والتكنولوجيا الطبية الحيوية.

ولا يقف الأمر عند حدود المختبرات المتقدمة؛ فالمركز يحتوي أيضاً على منشأة خاصة لتربية حيوانات التجارب وفق أعلى المعايير الدولية، بما يضمن إجراء الأبحاث الطبية الحيوية في بيئة علمية دقيقة وآمنة وخالية من الأمراض. مثل هذه المرافق تشكل حجر الأساس لأي منظومة بحثية طبية متقدمة، وهي عادة ما تكون العمود الفقري لتطوير الأدوية والتقنيات الطبية الحديثة.

وقد بدأت بعض الجامعات الأردنية تدرك أهمية هذا المركز، حيث وقعت جامعة مؤتة مذكرة تفاهم للتعاون معه بهدف تعزيز البحث العلمي وتبادل الخبرات البحثية.

غير أن الإمكانات الحقيقية لهذا المركز ما تزال أكبر بكثير مما هو مستثمر حالياً، إذ يمكن أن يتحول إلى منصة إقليمية للأبحاث الطبية المتقدمة، تستقطب الباحثين الدوليين، وتفتح الباب أمام شراكات علمية وصناعات دوائية وتكنولوجية واعدة.

وفي الوقت ذاته، وعلى بعد نحو 12 كيلومتراً شمال العقبة، يقف نموذج آخر لا يقل أهمية في مجال الابتكار البيئي والمائي، وهو مشروع "صحارى" الذي يمثل تجربة عملية لتكنولوجيا تحلية المياه باستخدام الطاقة المتجددة لغايات الزراعة في البيئات الصحراوية.

هذا المشروع جاء ثمرة استقطاب مباشر من جلالة الملك عبد الله الثاني لهذه التكنولوجيا خلال إحدى زياراته إلى النرويج قبل سنوات، حيث تم إنشاء مزرعة تجريبية تعتمد على تحلية مياه البحر باستخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ثم استخدامها لري نحو ثلاثين دونماً من الأراضي الزراعية ضمن نموذج تجريبي يدرس العلاقة بين الطاقة والمياه والتربة والمناخ في البيئات الجافة.

المثير في التجربة ليس فقط فكرة تحلية المياه، بل الكفاءة العالية في استخدام المياه، حيث تعتمد المزرعة على بذور عالية الجودة وتكنولوجيا ري متقدمة تتكيف مع المناخ الحار والجاف، إضافة إلى استخدام الأسمدة العضوية وأساليب إنتاج زراعي عالية الكفاءة. وقد أظهرت النتائج إنتاجاً عضوياً وفيراً من مساحة محدودة، بكميات تفوق ما تنتجه المزارع التقليدية في الأردن بأضعاف عديدة، وبجودة عالية قادرة على المنافسة في الأسواق.

هذا النموذج يطرح سؤالاً استراتيجياً بالغ الأهمية: لماذا لا يتم التفكير بتوسيع هذه التجربة وتحويلها إلى مدن زراعية ذكية في أقصى جنوب الأردن تعتمد على تحلية المياه بالطاقة المتجددة؟

الأردن يحتاج سنوياً نحو 350 مليون متر مكعب من المياه لغايات الزراعة تأتي من المصادر الجوفية المتجددة وغير المتجددة والسدود، إضافة إلى نحو 100 مليون متر مكعب من المياه المعالجة. وفي المقابل، فإن مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر المزمع تنفيذه يهدف إلى توفير نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً لغايات مياه الشرب، لكنه يحتاج إلى استثمارات تقدر بعدة مليارات من الدولارات.

هنا يبرز سؤال اقتصادي واستراتيجي مشروع: ماذا لو تم تخصيص جزء من هذه الاستثمارات لإنشاء قرى زراعية متقدمة في وادي عربة وشمال العقبة، تعتمد على تكنولوجيا تحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية والرياح، على غرار نموذج مشروع صحارى ولكن بمقاييس أكبر؟

هذه القرى يمكن أن تتحول إلى واحات إنتاج زراعي عالية الكفاءة، تستقطب المزارعين للاستثمار فيها، مع توفير السكن والخدمات والبنية التحتية الحديثة لهم ولأسرهم.

ومع قربها من ميناء ومطار العقبة، يمكن أن تصبح منصة للتصدير الزراعي إلى الأسواق العالمية، إضافة إلى تلبية احتياجات السوق المحلي وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.

ولو تحقق ذلك، فإن الضغط على المياه في محافظات الشمال والوسط سيتراجع بشكل ملحوظ، ما يسمح بتوجيه جزء أكبر من الموارد المائية لغايات الشرب. كما يمكن لسكان هذه القرى الجديدة الاعتماد على مياه حوض الديسة القريب بكلفة بسيطة نسبياً.

وما يجعل الفكرة أكثر إقناعاً أن تكنولوجيا استخدام المياه في هذه المشاريع قد تنتج أضعاف الإنتاج الزراعي الحالي باستخدام كميات أقل بكثير من المياه، وهو ما يفتح الباب أيضاً للتوسع في إنتاج الأعلاف ومشاريع اللحوم والألبان والصناعات الغذائية المرتبطة بها.

مثل هذه المشاريع لن تكون مجرد مزارع، بل مدن تنموية متكاملة يمكن أن توفر عشرات آلاف فرص العمل، وتعزز الاقتصاد الوطني، وتزيد من تدفق العملات الأجنبية عبر التصدير، وتنعش الاقتصاد المحلي في الجنوب.

إن العقبة، بما تمتلكه من مراكز بحثية متقدمة مثل مركز الأبحاث الطبية، ونماذج ابتكار مائي وزراعي مثل مشروع صحارى، يمكن أن تتحول إلى مختبر عالمي للتكنولوجيا الطبية والبيئية والغذائية في المنطقة.

لكن ذلك يتطلب رؤية وطنية واضحة تنظر إلى هذه المشاريع ليس كمبادرات معزولة، بل كبذور لاقتصاد معرفي إنتاجي جديد.

وفي ظل التغير المناخي المتسارع، وتفاقم أزمة المياه، وازمات الإقليم الجبوسياسية، وتحديات الأمن الغذائي، وشح فرص العمل، وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، فإن الاستثمار في العلم والتكنولوجيا التطبيقية لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة وجودية للدول.

من هنا، فإن تشكيل فريق وطني متخصص لدراسة المقارنة بين كلف وعوائد الناقل الوطني للتحلية من جهة، وتوسيع مشاريع التحلية الزراعية الذكية في جنوب الأردن من جهة أخرى، قد يكون خطوة استراتيجية تستحق التفكير الجاد.

لقد أحسن جلالة الملك حين استقطب هذه التكنولوجيا إلى الأردن. ويبقى السؤال اليوم: هل نحسن نحن استثمارها؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :