280 مليون للحماية الاجتماعية
م. عامر البشير
14-03-2026 12:33 PM
هل هي للحماية… أم للنفوذ؟ هل تسلك أموال الفقراء طريق العدالة… أم مسار للمحسوبية؟
في حياة الدول لحظات تتحول فيها بعض الأرقام في الموازنات العامة من مجرد بنود مالية صامتة إلى أسئلة أخلاقية كبرى تكشف طبيعة الحكم وشكل العدالة داخل المجتمع. وأحياناً يكفي رقم واحد في الموازنة ليقول عن طبيعة السلطة ما تعجز عن قوله عشرات الخطب السياسية.
المال العام حين يُعلن باسم الفقراء يصبح امتحاناً لضمير الدولة: هل يصل إلى الفئات المستهدفة .. أم يضل طريقه إلى النفوذ؟
اليوم يقف في الأردن رقم واحد في قلب هذا الامتحان: 280 مليون دينار هو رقم واضح في مشروع موازنة الدولة للعام 2026, مخصصة لبرامج الحماية الاجتماعية, غير أن هذا الرقم ليس سوى جزء من الصورة؛ فالحماية الاجتماعية في الموازنة لا تقف عند هذا الحد، بل تمتد عبر برامج اجتماعية أخرى موزعة في بنود متعددة من الإنفاق العام خُصصت لبرامج الحماية الاجتماعية، قد يبدو الرقم في ظاهره بنداً مالياً عادياً في الموازنة العامة، لكنه في جوهره اختبار حقيقي لفكرة الدولة نفسها، وهل هي فرصة حقيقية للتنمية، أم ستسجّل في سجلّ الفرص الضائعة، فالقضية هنا ليست حجم الإنفاق، بل الطريق الذي تسلكه هذه الأموال: كيف تُدار؟ ومن سيصل إليها في النهاية؟
الموازنة ليست جدول حسابات في الدول الحديثة
لا تُقاس الحكومات بحجم ما تنفقه من أموال، بل بكيفية إدارة تلك الأموال، فالموازنة العامة ليست مجرد جداول للإيرادات والنفقات، بل تعبير عملي عن فلسفة الدولة في إدارة موارد المجتمع، كل دينار تجمعه الدولة من الضرائب أو من القروض العامة ليس رقماً محاسبياً فحسب، بل يحمل في طياته وعداً أخلاقياً ضمنياً: وعد بأن تعود موارد المجتمع إلى المجتمع نفسه في صورة: خدمات عامة، فرص اقتصادية، شبكات أمان اجتماعي تحفظ كرامة الإنسان، ومن هنا تصبح الموازنة العامة، في جوهرها، شكلاً من أشكال العقد الأخلاقي غير المكتوب بين الدولة والمجتمع، فالمواطن عندما يدفع الضرائب أو يتحمل كلفة الدين العام لا يقدّم المال لسلطة تقف فوق المجتمع، بل لمؤسسات يفترض أن تعيد توظيف هذه الموارد لتحقيق الصالح العام، لكن هذا العقد يبدأ بالاهتزاز عندما يتغير السؤال، فبدلاً من أن يكون السؤال: كيف نساعد الفقراء؟ يصبح السؤال الأكثر حساسية: من يدير توزيع هذه المساعدة؟ وهنا لا يعود النقاش حول حجم المال، بل حول عدالة الطريق الذي يسلكه ذلك المال.
بين الدولة المؤسسية ودولة العلاقات
في الفكر الإداري يوجد فرق واضح بين: الدولة المؤسسية و دولة العلاقات، الدولة المؤسسية تقوم على: قواعد واضحة، أنظمة شفافة، آليات مساءلة تضمن أن الوصول إلى الموارد العامة يتم وفق القانون، أما في دولة العلاقات: فتتقدم شبكة النفوذ على القواعد، وتصبح العلاقات الشخصية في كثير من الأحيان الطريق الأقصر للوصول إلى الموارد العامة، ففي الدولة المؤسسية لا تتحدد فرص الوصول إلى الموارد العامة بقوة العلاقات، بل بوضوح القواعد وعدالة تطبيقها، فجوهر العدالة الحديثة لا يتمثل فقط في توزيع الثروة، بل في ضمان تكافؤ الوصول إلى مؤسسات الدولة نفسها. وعندما ينتقل النظام من حكم القواعد إلى حكم العلاقات يظهر أحد أخطر أشكال الفساد، فأخطر أشكال الفساد ليس سرقة المال العام فحسب، بل إعادة توجيه المال العام طبقاً للاهواء او الرّغبات "الشيطان في التفاصيل".
الفساد لا يبدأ دائماً بسرقة الأموال، بل قد يبدأ بتغيير الطريق الذي تسلكه تلك الأموال، من سيدفع .. ومن سيستفيد؟ مبلغ 280 مليون دينار المخصص للحماية الاجتماعية ممَوَّل من القروض العامة، وهذا يعني أن المجتمع الأردني سيدفع ثمن هذه البرامج في نهاية المطاف، سواء عبر: ارتفاع الدين العام، ومن الضرائب المستقبلية، أو تقليص الإنفاق في قطاعات أخرى، بمعنى آخر، هذه الأموال ليست هبة مجانية، بل التزام مالي سيتحمله المجتمع بأكمله، وقد يكون بعض الفقراء الذين يُفترض أن تساعدهم هذه البرامج اليوم هم أنفسهم، وغيرهم من بقايا الطبقة الوسطى، من سيدفعون جزءاً من كلفتها مستقبلاً، وتجارب الإدارة العامة، خصوصاً في الحكم المحلي، تظهر أن تضخم المديونية لا يعكس دائماً مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، بل يكشف في كثير من الأحيان خللاً في إدارة المال العام، فعندما تتراكم الديون دون تحسن ملموس في حياة المواطنين، يصبح الدين مؤشراً على ضعف الإدارة أكثر مما يكون دليلاً على نجاح التنمية، ولهذا تذكّرنا هذه التجربة بحقيقة بسيطة كثيراً ما تُغفل في النقاش العام: المشكلة ليست دائماً في حجم الأموال التي تُنفق، بل في الطريقة التي تُدار بها تلك الأموال، وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الأهم: إذا كان المجتمع سيدفع ثمن هذه الأموال .. فمن سيحصل على فائدتها؟ هل ستصل فعلاً إلى: الأسر الفقيرة، النساء المعيلات، كبار السن، الشباب الباحثين عن فرصة عمل، وشرائح من المجتمع أفنت عمرها بالعمل دون أن تكون مشمولة بمظلّة تقاعد، أو بمظلة الضمان الاجتماعي، أم أنها ستتبدد في الطريق الطويل بين البيروقراطية والنفوذ؟
الفقراء لا يملكون نفوذاً في معظم المجتمعات لا يملك الفقراء علاقات نافذة، ولا أدوات ضغط سياسي، غالباً ما يبقى صوتهم محصوراً في طوابير الانتظار داخل المؤسسات، بعيداً عن مراكز القرار، إنهم لا يملكون سوى شيء واحد: الانتظار .. ولهذا تصبح برامج الحماية الاجتماعية واحدة من أكثر اختبارات العدالة حساسية في أي دولة، فالعدالة في توزيع المساعدات لا تُقاس بعدد البرامج الاجتماعية المعلنة، بل بقدرة الدولة على حماية حقوق من لا يملكون تأثير.
الدولة تحت الاختبار
تشير تجارب كثيرة حول العالم إلى أن أكبر خطر يواجه برامج الحماية الاجتماعية ليس نقص التمويل، بل غياب العدالة في التنفيذ، فعندما تتداخل شبكات النفوذ مع آليات التوزيع، قد تتحول برامج الحماية الاجتماعية من شبكة أمان للفقراء إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي، وفي تلك اللحظة لا يعود المال العام وسيلة لتحقيق العدالة، بل يتحول إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ، ولهذا فإن برامج الحماية الاجتماعية لا تختبر فقط قدرة الدولة المالية، بل تختبر ضميرها المؤسسي أيضاً، فالدولة التي تستطيع جمع الأموال ليست بالضرورة دولة عادلة، لكن الدولة التي تستطيع إيصال الموارد إلى مستحقيها هي الدولة التي تنجح في امتحان العدالة، فالعدالة الاجتماعية لا تبدأ عندما تعلن الدولة برنامجاً للفقراء .. بل عندما يصل المال العام إليهم قبل أن يصل إلى النفوذ.
الخلاصة
لا تختبر برامج الحماية الاجتماعية قدرة الدولة على الإنفاق بقدر ما تختبر طبيعة الدولة نفسها، فإذا وصلت هذه الأموال إلى الفقراء الذين ينتظرونها بصمت، تكون الدولة قد أثبتت أن العدالة ليست شعاراً سياسياً، بل ممارسة حقيقية، أما إذا ضاعت في الطريق بين البيروقراطية والمصالح، فلن يكون ذلك مجرد خلل إداري، بل علامة على أزمة أعمق تتعلق بالمنهجية ذاتها، فالدول في النهاية لا تُقاس بحجم ما تنفقه من أموال، بل بالطريق الذي تسلكه تلك الأموال، ففي الدول العادلة يصل المال العام إلى الفقراء أولاً .. أما في دول العلاقات… فَيَصِلْ النفوذ أولاً.