لاريجاني يسأل: أين العرب؟… والذاكرة العربية تجيب
كابتن أسامة شقمان
17-03-2026 10:53 AM
قبل الدخول في أي تحليل سياسي، لا بد من التأكيد على موقف إنساني واضح وصريح: أنا لا أؤيد هذه الحرب ولا أي حرب في العالم.
فالحروب، مهما كانت مبرراتها، لا تجلب سوى الدمار للشعوب، وتترك وراءها مدناً مهدمة وذكريات مليئة بالدماء والكراهية. إن التاريخ يعلمنا أن الحروب قد تُغير الخرائط، لكنها نادراً ما تصنع سلاماً حقيقياً.
ومع دخول الحرب على إيران نهاية أسبوعها الثالث منذ اندلاعها في الثامن والعشرين من فبراير، بعد الضربات الجوية الأولى التي استهدفت طهران، بدأت الأسئلة السياسية الكبرى تفرض نفسها بقوة: ما موقع المنطقة في هذا الصراع؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول العربية في هذه المواجهة؟
في خضم هذه التطورات جاءت تصريحات المسؤول الإيراني علي لاريجاني، التي انتقد فيها موقف الدول العربية، متسائلاً لماذا لم تقف إلى جانب إيران في هذه الحرب. غير أن هذا التساؤل، على ما يبدو، يتجاهل حقيقة سياسية وتاريخية معقدة، ويفتح بدوره سؤالاً أكثر عمقاً:
كيف يمكن لإيران أن تطلب دعماً عربياً بينما كانت طوال عقود جزءاً من صراعات داخل العالم العربي نفسه؟
والأهم من ذلك أن كثيراً من الدول العربية لم تؤيد هذه الحرب منذ بدايتها، بل أعلنت رفضها لها ودعت إلى وقفها ومنع توسعها. فقد حاولت عواصم عربية عديدة العمل دبلوماسياً لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. لكن الخطاب الإيراني يبدو وكأنه يتجاهل أو يتناسى هذه المواقف، رغم أنها كانت في جوهرها محاولة لحماية استقرار المنطقة بأسرها.
في علم السياسة، لا يمكن فهم أي حرب بمعزل عن التاريخ الذي سبقها. فالمواقف الدولية لا تُبنى على اللحظة الراهنة فقط، بل على ذاكرة سياسية تشكلت عبر سنوات طويلة من العلاقات والتحالفات والصراعات.
ومن هنا فإن الموقف العربي من الحرب الحالية لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي بدأت منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 فقد حملت تلك الثورة مشروعاً سياسياً جديداً لم يقتصر على تغيير النظام داخل إيران، بل رفع شعاراً واضحاً تمثل في فكرة تصدير الثورة.
ومنذ تلك اللحظة لم تعد إيران تقدم نفسها بوصفها دولة قومية تسعى فقط إلى بناء اقتصادها وتطوير مجتمعها، بل كقوة سياسية تحمل مشروعاً يتجاوز حدودها الجغرافية. وهنا بدأ التحول الكبير في العلاقة بينها وبين كثير من الدول العربية.
لا شك أن كل دولة تسعى إلى تعزيز نفوذها في محيطها، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. غير أن المشكلة لا تكمن في الطموح نفسه، بل في الوسائل التي يتم من خلالها تحقيق هذا الطموح.
فبدلاً من بناء النفوذ عبر الاقتصاد والتنمية والتعاون الإقليمي، اختارت إيران في كثير من الأحيان طريقاً آخر، يتمثل في دعم قوى سياسية أو عسكرية خارج حدودها. وقد ظهر هذا النفوذ في عدد من الدول العربية التي أصبحت ساحات لتنافس إقليمي معقد.
يعد العراق أحد أبرز الأمثلة على هذا النفوذ. فقد ظل هذا البلد ساحة مركزية للصراع بين إيران والعالم العربي منذ الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي. وبعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، ازداد النفوذ الإيراني داخل الساحة العراقية، سواء على المستوى السياسي أو الأمني، ما جعل العراق أحد أهم ميادين التوازنات الإقليمية الجديدة.
وفي لبنان، لعب الدعم الإيراني لحزب الله منذ ثمانينيات القرن الماضي دوراً محورياً في تشكيل المشهد السياسي والعسكري. فقد أصبح الحزب قوة مؤثرة في الحياة السياسية اللبنانية، لكنه في الوقت نفسه أثار جدلاً واسعاً حول مسألة السلاح خارج إطار الدولة وتأثير ذلك على سيادة لبنان واستقراره.
أما في سوريا، فقد تحولت الحرب التي اندلعت عام 2011 إلى ساحة حضور إقليمي ودولي واسع. وكانت إيران من أبرز الداعمين للحكومة السورية عسكرياً وسياسياً، وهو ما جعلها طرفاً أساسياً في المعادلة السورية وفي موازين القوى داخل البلاد.
وفي اليمن، تتهم دول عدة إيران بدعم حركة أنصار الله، وهو ما جعل الأزمة اليمنية جزءاً من التنافس الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث تداخلت الصراعات المحلية مع الحسابات الجيوسياسية الكبرى.
هنا تظهر المفارقة الكبرى في خطاب علي لاريجاني. فعندما يطالب الدول العربية بالتضامن مع إيران في هذه الحرب، فإنه يستند إلى فكرة التضامن الإسلامي أو الإقليمي. غير أن السياسة الدولية لا تُبنى على الشعارات وحدها، بل على الثقة المتبادلة والتجربة التاريخية.
وحين تكون الذاكرة السياسية مليئة بالصراعات والتدخلات، يصبح من الصعب إقناع الآخرين بأن المعركة الحالية هي معركة مشتركة.
بعبارة أخرى:
التضامن لا يُطلب بالكلمات، بل يُبنى عبر سنوات طويلة من احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
السؤال الذي ينبغي أن تطرحه إيران على نفسها
بدلاً من التساؤل عن سبب عدم دعم الدول العربية لها، ربما يكون السؤال الأهم بالنسبة لإيران هو:
متى تتعلم أن استقرار المنطقة يبدأ باحترام سيادة جيرانها؟
فإيران دولة ذات حضارة عريقة تمتد لآلاف السنين، وشعبها يمتلك قدرات علمية وثقافية كبيرة. لكن كثيراً من هذه الإمكانات استُنزف في صراعات إقليمية طويلة.
ولعل الدرس الذي قد تفرضه هذه الحرب ليس درساً عسكرياً فحسب، بل درس سياسي واستراتيجي عميق. فربما حان الوقت لكي تتحول إيران من دولة تسعى إلى توسيع نفوذها في المنطقة إلى دولة تركز على بناء اقتصادها وتنمية مجتمعها وإقامة علاقات طبيعية ومتوازنة مع جيرانها.
خاتمة
مرة أخرى، لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يؤيد الحرب أو يتمنى استمرارها، فالحروب لا تجلب سوى الدمار. لكن هذه الحرب، التي دخلت الآن أسبوعها الثالث تقريباً، تكشف أيضاً حقائق سياسية كانت موجودة منذ سنوات طويلة.
ولعل السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه اللحظة التاريخية ليس فقط: كيف ستنتهي هذه الحرب؟
بل سؤال أعمق بكثير:
متى تدرك إيران أن الطريق إلى الاحترام الإقليمي لا يمر عبر التدخل في شؤون الجيران، بل عبر بناء دولة قوية تخدم شعبها وتعيش بسلام مع محيطها؟
فالقوة الحقيقية للدول لا تُقاس بمدى انتشار نفوذها خارج حدودها، بل بقدرتها على بناء وطن مزدهر ومستقر داخل حدودها أولاً.