facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




رمضان: النور الذي يتأهب للمغادرة والأمة التي ما زالت تبحث عن ذاتها


د. موسى الرحامنة
18-03-2026 05:45 PM

يرحل رمضان وليس هيّناً على النفس وداعُه؛ فهو شهرٌ ليس كسائر الشهور؛ بل حالةٌ من السمو الروحي العميق؛ كان فيها الإنسانُ أقربَ إلى ذاته، وأصدقَ مع ربّه، وألينَ تجاه أخيه.
يرتحل رمضان، تاركاً في الاعماق وجعًا صامتًا لا يُرى ولا يُحتمل: هل كنّا من أهله حقًا، أم مجرد عابري سبيلٍ على موائده؛ نرتشفُ من مَعينهِ ثم نرحل مُثقلين بالفراغ، لا زادَ من هَدْيه يُقيمُ فينا بعد رحيله؟

لم يَكنْ شهرُ رمضان مُجرَّد فصلٍ عابرٍ في تاريخ الأمة؛ بلْ هو القنديلُ الدائمُ الذي يضيءُ وجدانَ هذه الامة؛ فهو الشهر الذي اصطفاه الله على سائر الشهور وابتدأ فيه النورُ حين نزل القرآن، فكان ميلاد أمةٍ من رحم الوحي، لا من مُعادلات القوة الماديَّة وحدها؛ وهو الشهر الذي شهد لحظات التحوّل الكبرى في تاريخ المسلمين، ولم يكن الصيام انقطاعًا عن الحياة، بل انخراطًا أعمق فيها؛ تُشحذ فيه الإرادة، وتُربّى فيه النفوس على الصبر، وتُصاغ فيه معاني التضحية والبذل؛ لذلك لم يكن غريبًا أن ترتبط به صفحات مشرقة من الفتوحات، يوم كان الإيمان هو القائد، وكانت الغاية إقامة العدل لا مجرد الغلبة.

وقد تجلَّى معنى رمضان الحقيقي في هَدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؛ فكان رمضان عنده شهرًا تتضاعف فيه عبادته، ويتفجّر فيه عطاؤه، ويبلغ فيه من القرب ما لا يبلغه في سواه، حتى كأنما كان يستعدّ لرسالةٍ مستمرة لا تنقطع بانقطاع الزمن؛ وسار أصحابه رضوان الله عليهم على هذا النهج؛ فكانوا يخرجون من رمضان وقد تبدّلوا، لا في مظاهرهم فحسب، بل في عمق رؤيتهم للحياة، وفي استعدادهم لتحمّل أعباء الرسالة.

غير أنّنا اليوم، ونحن نودّع هذا الشهر، لا نستطيع أن نفصل بين معانيه وواقع أمتنا الذي يُدمي القلب؛ أمةٌ كانت يومًا جسدًا واحدًا، فإذا بها اليوم أشلاءٌ متفرّقة، تتنازعها الأهواء، وتنهشها الخلافات، وتُستباح في أطرافها الدماء دون أن يرتجف لها ضمير العالم؛ ففي كل جهةٍ حكاية وجع، وفي كل أفقٍ صورة ألم؛ وكأن التفرّق الذي حذّر منه القرآن لم يعد خطرًا محتملًا، بل صار واقعًا معيشًا.

هنا تتكثّف الحسرة وتتضاعف: كيف لشهرٍ علّمنا معنى الوحدة، حيث تصطفّ الأجساد في الصلاة وتتوحد القلوب في الدعاء، أن يمرّ علينا ثم نعود بعده إلى فرقةٍ أشد، وأنانيةٍ أعمق؟ كيف نقرأ القرآن الذي نزل في هذا الشهر ليصنع أمةً واحدة، ثم نعجز عن ترجمة أبسط معانيه في واقعنا؟ إن الفجوة بين ما يريده منا رمضان، وما نعيشه بعده، ليست فجوةً في الزمن، بل فجوة في الوعي والإرادة.

ومع ذلك، فإن رمضان لا يتركنا بلا سبيل؛ إنّه يقدّم لنا، في كل عام، فرصةً متجددة لإعادة البناء: بناء الإنسان أولًا، ثم بناء المجتمع؛ يذكّرنا بأن القوة تبدأ من الداخل، من قلبٍ صادق، ونيةٍ خالصة، وعزيمةٍ لا تنكسر؛ ويعلّمنا أن التكافل ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرط بقاء؛ فالأمة التي تترك فقراءها ومحروميها، إنما تفرّط في جزءٍ من إنسانيتها.

وفي لحظة الوداع هذه، تمتدّ الذاكرة إلى من كانوا معنا في (رمضاناتٍ) مضت، ثم غابوا؛ تتردّد أصواتهم في المجالس، وتلوح وجوههم في تفاصيل الأيام، فنشعر أن الفقد ليس حدثًا عابرًا، بل حضورٌ دائم بشكلٍ آخر؛ الدعاء لهم ليس مجرد وفاء، بل تذكيرٌ لأنفسنا بأن هذه الحياة، بكل ما فيها، ماضيةٌ إلى زوال، وأن الباقي هو ما نتركه من أثر.

إن وداع رمضان، في جوهره، ليس نهاية، بل اختبار؛ اختبارٌ لما إذا كنّا سنحمل معنا ما تعلّمناه، أم سنتركه خلفنا كذكرى جميلة؛ هو دعوةٌ صريحة إلى أن نعيد النظر في علاقتنا بالله، وفي علاقتنا ببعضنا، وأن ننتقل من موسمية الطاعة إلى استدامتها، ومن عاطفة التعاطف إلى فعل التضامن.

وفي سكّة الوداع والمغادرة؛ يبقى السؤال مفتوحًا، ولا يملك أحدٌ أن يجيب عنه نيابةً عن غيره: ماذا بقي من رمضان فينا؟
فإن كان قد غيّر فينا شيئًا، فقد ربحنا أنفسنا؛ وإن مضى ولم يترك أثرًا، فقد خسرنا أكثر مما نظن.






  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :