قانون بحجم دولة .. هل يُدار بعقلية الماراثون؟
د. صالح سليم الحموري
19-03-2026 01:11 PM
في مشهدٍ يختزل الكثير مما يحدث خلف الكواليس، يقف رئيس لجنة العمل ليقول: "سهرنا الليل كله"… وتضيف زوجته، بصدقٍ عفوي: "فقدناك في رمضان، اجتماعات ليل نهار".
قد يبدو هذا التصريح، للوهلة الأولى، دليلًا على الجهد والإخلاص، لكنه في الحقيقة يفتح بابًا لسؤالٍ أكبر:
هل تُدار القوانين الكبرى بهذا الإيقاع؟ بل وهل تُصاغ بين جدران المنازل والمكاتب الشخصية… وعلى عجلٍ لا يليق بحجمها؟
قانون الضمان الاجتماعي ليس مشروعًا عابرًا، ولا ملفًا إداريًا يمكن إنجازه تحت ضغط الوقت أو على وقع الإرهاق. نحن لا نتحدث عن بندٍ مالي أو تعديلٍ إجرائي، بل عن أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الدولة؛ عن حقوق أجيال، وعن ثقةٍ تتشكل أو تتآكل بين المواطن ومؤسساته.
ومع ذلك، نرى مشهدًا أقرب إلى "ماراثون تشريعي":
إحالة القانون خلال 20 ثانية، واجتماعات مكثفة خلال ساعات، ولقاءات مع ثلاث مؤسسات كبرى في وقتٍ قياسي، ومنصة إلكترونية لاستقبال الملاحظات أُطلقت خلال يوم واحد… دون منهجية واضحة لتحليلها أو تحويلها إلى معرفة قابلة للبناء عليها، في ظل ضغطٍ غير معلن لإنهاء كل شيء قبل نهاية الدورة.
في العلن، يُقال: "الوقت مفتوح".
وفي الغرف المغلقة، الحقيقة مختلفة: "يجب أن ننتهي بسرعة".
هنا، لا يتوقف الاستغراب عند المواطن فقط، بل يمتد إلى دارسي السياسات العامة والتشريعات، الذين يدركون أن القوانين الكبرى لا تُصنع بهذه الطريقة.
فالقانون ليس سباق سرعة… بل عملية بناء.
المشكلة الأعمق لا تكمن في السرعة فقط، بل في المنهجية.
فقد تم الاعتماد — مرة أخرى — على دراسة اكتوارية، وكأنها الإجابة الكاملة، رغم أن التجارب السابقة أثبتت أن هذه الدراسات، في كثير من الأحيان، لم تُصِب التوقعات بدقة.
الدراسة الاكتوارية تنظر إلى الماضي لتتنبأ بالمستقبل…
لكن ماذا عن المستقبل نفسه؟
هل سألنا:
كيف سيتغير شكل العمل خلال 10 أو 20 سنة؟
ماذا سيحدث مع الاقتصاد الرقمي؟
مع الوظائف المؤقتة؟
مع الذكاء الاصطناعي الذي يعيد تشكيل سوق العمل بالكامل؟
هنا يظهر الغياب الحقيقي:
غياب الدراسات الاستشرافية.
فالاستشراف لا يكتفي بالأرقام، بل يقرأ الاتجاهات، ويبني سيناريوهات، ويضع احتمالات متعددة لما قد يكون… لا لما كان.
والتشريع الذكي لا يُبنى على أداة واحدة، بل على مزيج من التحليل الكمي والرؤية المستقبلية.
حين نختزل قانونًا بهذا الحجم في سباقٍ زمني، فإننا لا نختصر الإجراءات… بل نختصر التفكير.
والأخطر من ذلك، أننا نُحمّل "الدولة" ككل تبعات قرارٍ لم يأخذ وقته الكافي.
فالقوانين لا تُحاسب "الحكومة" وحدها… بل تعيش مع المجتمع لسنوات طويلة.
لهذا، فإن التريث ليس تعطيلًا… بل مسؤولية.
وربما يكون الحل أبسط مما نتصور:
تشكيل فريق وطني حقيقي، لا يقل عن 20 إلى 25 خبيرًا من أصحاب الكفاءة والثقة، يمثلون طيفًا واسعًا من التخصصات: الاقتصاد، والاجتماع، والإدارة، واستشراف المستقبل، يعملون بمنهجية علمية رصينة تعيد تفكيك القانون وبناءه من جديد، على غرار التجارب العميقة التي قادها المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
ليس المطلوب إبطاء العمل…
بل تصحيح إيقاعه.
فالفرق كبير بين أن تُنجز قانونًا بسرعة…
وأن تُنجز قانونًا يصمد.
في النهاية، لا أحد سيذكر كم ساعة سهرنا،
ولا كم اجتماعًا عقدنا،
لكن الجميع سيتأثر بنتائج هذا القانون لعقود.
القوانين الكبرى لا تُكتب تحت ضغط الساعة…
بل تحت مسؤولية التاريخ.
* د. صالح سليم الحموري
مستشار التعليم التنفيذي
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية