كيف جعلوني في صف الكيان الإسرائيلي؟!
محمود الدباس - أبو الليث
23-03-2026 11:22 AM
لم تعد الحروب تكتفي بالخرائط.. صار لكل معركة نسخة داخل رأسك.. تُرسم بهدوء.. وتُدار بمهارة.. حتى تجد نفسك فجأة مطالباً بإعلان موقف.. لا لأنك فهمت الصورة.. بل لأنك خُيّرت بين صورتين فقط.. وكأن العالم ضاق إلى حدٍ لا يتسع إلا لصفّين.. واحدٌ تصرخ فيه.. وآخر تُتّهم إن لم تصرخ ضده؟!..
تبدأ الحكاية ببساطةٍ مخادعة.. تُبدي رأياً متوازناً.. تقول إنك لست مع إيران.. فتنهال عليك الأحكام قبل أن تكتمل الجملة.. ثم يأتيك الصوت الواثق.. إذاً أنت مع الكيان الإسرائيلي.. وكأنهم لا يسمعونك.. بل يسمعون النسخة التي يريدون تركيبها لك..
يضعونك أمام معادلةٍ جاهزة.. خياران لا ثالث لهما.. إما أن تصفق.. أو تُدان.. مع أنك لم تختر أياً منهما.. لكنهم اختاروا لك النتيجة.. ثم طلبوا منك الاعتراف بها؟!..
المفارقة الساخرة.. أن كرهنا للكيان الإسرائيلي ليس بنداً في نقاش.. بل نقطة بداية.. أمرٌ محسوم لا يحتاج إلى مزايدة.. ولا إلى إثبات.. ولا يمكن ان نضع بمقارنة.. فهو أمر من المسلّمات عند كل شريف عربي وغير عربي.. مسام وغير مسلم.. لكنهم يتعاملون معه كأداة ضغط.. كلما رفضت الانضمام إليهم.. أعادوا طرحه كاتهام.. لا كقضية..
وحين تقول إنك لا تثق بالمشروع الإيراني.. لا لأنك سمعت من أجدادك.. أو قرأت عنه في كتب التاريخ القديمة.. بل لأنك رأيت ما حدث في العراق.. وسوريا.. كيف تتحول الشعارات إلى نفوذ.. وكيف تُفتح الأوطان كمسارح رسائل.. يتهمونك بأنك انحزت.. فقط لأنك لم تنحز لهم..
هم لا يناقشونك.. هم يختصرونك.. يحولونك من إنسانٍ يرى الصورة كاملة.. إلى خيارٍ في استفتاء.. نعم أو لا.. معنا أو ضدنا.. وكأن التفكير جريمة.. والتوازن خيانة.. وتناسون لأغراضهم الذاتية.. أنك صاحب مبدأ محسوم تجاه الكيان المجرم.. وصاحب مشروع عربي موحد قوي.. اساسه الاسلام الحنيف المعتدل.. الذي وسع كل الأطياف والمكونات..
والأدق من ذلك.. أنهم لا يريدونك أن تختار.. بل أن تُختار.. أن تُدفع إلى موقعٍ.. ثم تُحاسب عليه.. لأن وجودك خارج اصطفافهم.. يفضح هشاشة معادلتهم كلها.. ويظهر زيف موقفهم غير المعلن..
هناك حالةٌ واحدة فقط.. يصبح فيها الاختيار بين خيارين شرفاً لا فخاً.. حين يكون الوطن والاعتقاد أحدهما.. هنا لا مساحة للتردد.. ولا مكان للحياد.. لأن الوطن والعقيدة ليسوا طرفاً.. بل الأصل الذي تُقاس عليه كل الأطراف..
أما في غير ذلك.. فليس من الحكمة أن تختار بين مشروعين.. كلاهما لا يمثلك.. ويتناحران للهيمنة عليك.. ولا من الصدق أن تلبس موقفاً لمجرد أن غيرك صرخ به أعلى..
مع أن الموقف الأكثر صدقاً.. وربما الأكثر كلفة.. هو أن تقول بوضوح.. أنا لست مع هذا.. ولا مع ذاك.. أنا مع مصلحة بلدي.. مع استقرار منطقتي.. ومع أن لا تتحول أرضي إلى ساحة صراعات مصالح ونفوذ وهيمنة..
وهذا ليس حياداً ساذجاً.. بل موقف واعٍ.. يرفض أن يكون وقوداً في معركة لا يملك قرارها..
في نهاية السالفة.. ليس مطلوباً منك أن تحب الجميع.. ولا أن تكره الجميع.. المطلوب فقط.. أن لا تسمح لأحد أن يختصر وعيك في خيارين..
لأن من يقنعك أن الطريق له اتجاهان فقط.. غالباً يخفي طريقاً ثالثاً.. لا يريدك أن تراه؟!..