"الوطن أمانة مشتركة وأمنه مسؤولية لا تقبل الغياب"
د. ايمان الشمايلة
24-03-2026 01:29 AM
ليست المحن عواصفَ عابرة، بل لحظات فاصلة تُعاد فيها كتابة الإنسان؛ إمّا أن ينكفئ على خوفه، أو يسمو بروحه حتى يُمسك بيد غيره. وفي تلك اللحظات، لا يُقاس الناس بما يقولون، بل بما يثبتون عليه: أهو انكسارٌ يتسلّل في صمت، أم تماسكٌ ينهض من بين الركام كأنه وعدٌ لا يُخلف؟
إنّ التكاتف في زمن الشدّة ليس فضيلةً تُزيّن الأخلاق، بل هو جوهر البقاء؛ هو تلك القوة الخفية التي تجعل القلوب إذا اجتمعت، غلبت ما تفرّق من خوف، وأعادت ترتيب الفوضى في معنى واحد: أننا معًا… وهذا يكفي لننجو. فحين يضعف الفرد، تحمله الجماعة، وحين تتعب الروح، يسندها حضور الآخر، حتى تصبح المحنة — على قسوتها — بابًا يتّسع للنور.
وأمن الوطن ليس سياجًا من حديد، بل عهدٌ من الطمأنينة يسكن الأرواح قبل الحدود. هو ذاك الإحساس العميق بأن لك مكانًا لا يخذلك، وبابًا لا يُغلق في وجهك، وأرضًا تعرف اسمك وتحفظ خطاك. هو البيت حين يضيق العالم، والسكن حين تتعب الطرق، والسكينة التي لا تُشترى ولا تُستعار.
فإذا تصدّع الأمن، لم تسقط الجدران وحدها، بل تسقط المعاني التي نعيش بها؛ يتسرّب الخوف إلى التفاصيل، وتفقد الأيام لونها، ويصبح الانتماء سؤالًا بعد أن كان يقينًا. لذلك، فإن حفظ أمن الوطن ليس مهمة جهة، بل رسالة شعبٍ بأكمله؛ تبدأ من ضميرٍ حيّ، وكلمةٍ مسؤولة، وموقفٍ لا يساوم على الحق.
إنّ الأوطان العظيمة لا تُعرَف بأيام رخائها، بل بلحظات اختبارها؛ حين تضيق بها السبل، فتتّسع بقلوب أهلها، وحين تشتدّ العواصف، فتثبت بجذورهم. هناك فقط يُكتب التاريخ بصمت، وتُرفع الأوطان لا على الأكتاف، بل في القلوب.
فلنكن حين تُظلم الطرق نورًا لبعضنا، وحين تشتدّ المحن حصنًا لبعضنا، ولنتذكّر أن الوطن ليس مكانًا نعيش فيه فحسب… بل كيانًا يعيش فينا؛ فإن حفظناه في قلوبنا، حفظنا الله به، وجعل من تماسكنا نجاة، ومن وحدتنا حياة لا تنكسر.