أوروبا بين حربين ونموذج يتآكل .. قارة تملك المال وتخسر المستقبل
سمير حمدان - بودابست
24-03-2026 06:22 PM
مقدمة ثروة ضخمة في زمن غير آمن
تمتلك أوروبا ما يقارب ثلاثين تريليون يورو من المدخرات، وهو رقم يضعها نظريًا في موقع قوة مالية عالمية، لكن هذه القوة لم تتحول إلى نفوذ صناعي أو تكنولوجي موازٍ، في لحظة تتقاطع فيها حرب روسيا في أوكرانيا مع التصعيد في الشرق الأوسط، تبدو هذه المفارقة أكثر حدة، القارة التي راكمت الثروة عبر الاستقرار تجد نفسها اليوم أمام عالم لا يكافئ الاستقرار بقدر ما يكافئ القدرة على التحرك تحت الضغط، ما طُرح في قمة الصناعة الأوروبية في أنتويرب لم يكن نقاشًا تقنيًا حول التنافسية، بل مراجعة ضمنية لنموذج اقتصادي كامل .
مال بلا تأثير
تشير تقارير المفوضية الأوروبية حول التنافسية الصناعية إلى تراجع تدريجي في موقع أوروبا داخل الاقتصاد العالمي، مدفوعًا بارتفاع تكاليف الإنتاج، وبطء الاستثمار، وتعقيد البيئة التنظيمية، هذه العوامل لا تعمل بشكل منفصل، بل تتراكم لتشكّل نمطًا من التآكل البطيء في القدرة الصناعية، في هذا السياق جاءت مداخلة إيمانويل ماكرون لتضع المشكلة في إطار مباشر، حيث أشار إلى أن المدخرات الأوروبية مستثمرة بشكل مفرط في السندات، وليس بما يكفي في الأسهم والابتكار، هذا التوصيف يتقاطع مع تحليلات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تربط ضعف النمو الأوروبي بضعف الاستثمار في رأس المال الجريء، وهو ما يحد من قدرة القارة على إنتاج شركات تكنولوجية عالمية.
رأس المال يهاجر
الخلل لا يقتصر على التوزيع الداخلي للمال، بل يظهر أيضًا في اتجاهه الخارجي، بيانات البنك المركزي الأوروبي تشير إلى تدفقات مالية مستمرة نحو الولايات المتحدة، حيث العوائد أعلى، وبيئة الاستثمار أكثر مرونة، هذه الحركة تعني أن رأس المال الأوروبي لا يغادر فقط بحثًا عن الربح، بل يعكس غياب بيئة محلية قادرة على استيعاب هذا الاستثمار، النتيجة أن أوروبا تموّل النمو العالمي، لكنها لا تسيطر عليه، هذا التفاوت يرتبط ببنية التمويل نفسها، إذ يعتمد الاقتصاد الأوروبي على البنوك كمصدر رئيسي للتمويل، وهو نموذج يوفر الاستقرار، لكنه يحد من المخاطرة، في المقابل تعتمد الولايات المتحدة بشكل أكبر على أسواق رأس المال، ما يسمح بتمويل أوسع للمشاريع عالية النمو، وهو ما يفسر الفجوة المتزايدة في الابتكار والإنتاجية.
الصناعة تدق ناقوس الخطر
تحذيرات الصناعة جاءت متزامنة مع هذا التشخيص، إعلان أنتويرب، الذي شاركت فيه أكثر من ألف وثلاثمئة شركة أوروبية، أشار إلى تراجع القدرة التنافسية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، تغطيات فايننشال تايمز ورويترز أظهرت أن بعض هذه المخاوف بدأ يتحول إلى قرارات فعلية، بنقل الاستثمارات إلى خارج أوروبا، خصوصًا في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
الصدمة الأولى الطاقة
الحرب في أوكرانيا لم تكن مجرد حدث سياسي، بل كسرًا لأحد أعمدة الاقتصاد الأوروبي، فقدان الطاقة منخفضة التكلفة أعاد تشكيل هيكل التكاليف في الصناعة الأوروبية، تقارير الوكالة الدولية للطاقة تشير إلى أن أوروبا كانت الأكثر تأثرًا بهذه الصدمة، بسبب اعتمادها السابق على الغاز الروسي، ما أدى إلى ارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج .
الصدمة الثانية عدم الاستقرار
التصعيد في الشرق الأوسط يضيف طبقة جديدة من الضغط على اقتصاد لم يتعاف بعد، ارتفاع أسعار النفط والغاز، وتكاليف النقل، ينعكس بسرعة على التضخم والنمو، في تقييمات صندوق النقد الدولي لعام ألفين وستة وعشرين، يُشار إلى أن هذه التوترات تزيد من هشاشة الاقتصاد الأوروبي، وتضعه أمام موجة جديدة من عدم اليقين .
بين ضغطين دون أدوات كافية
بهذا المعنى تجد أوروبا نفسها بين صدمتين متزامنتين، الأولى أزالت ميزة الطاقة، والثانية تضغط على البدائل، وبينهما يظهر ضعف أعمق، نموذج اقتصادي بطيء في بيئة تتسارع فيها الصدمات، تحليلات معهد بروغل تشير إلى أن هذا الوضع يضع أوروبا في موقع أضعف مقارنة بالولايات المتحدة والصين، حيث تتوافر طاقة أرخص، وسياسات صناعية أكثر وضوحًا .
محاولة إنقاذ متأخرة
في مواجهة هذا الواقع، تبرز محاولات لإعادة توجيه رأس المال داخل القارة، التوريق، وتطوير أسواق المال، يمثلان جزءًا من هذا التوجه، بهدف نقل التمويل من البنوك إلى الاستثمار المباشر، المفوضية الأوروبية تدفع في هذا الاتجاه، معتبرة أن المشكلة ليست في نقص المال، بل في كيفية استخدامه .
أزمة نموذج لا أزمة ظرف
المسألة في جوهرها ليست مالية فقط، بل تتعلق بطبيعة النموذج الأوروبي نفسه، تقارير تشاتام هاوس تشير إلى أن الاعتماد على الخارج في الطاقة، يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات، ما يربط الاقتصاد مباشرة بالسياسة، في عالم تتحول فيه الطاقة إلى أداة نفوذ، يصبح هذا الاعتماد عاملًا محددًا للقدرة على اتخاذ القرار .
القارة التي تمول العالم وتفقد نفسها
أوروبا لا تعاني من نقص في الموارد، لديها رأس المال، والسوق، والقدرة الصناعية، لكنها تواجه صعوبة في تحويل هذه العناصر إلى قوة متماسكة في عالم يتغير بسرعة، تموّل الابتكار العالمي، لكنها لا تتحكم بمساره، في النهاية، لم يعد السؤال ما إذا كانت أوروبا قادرة على التعافي، بل ما إذا كانت قادرة على التكيف، في عالم تُحدد فيه القوة بالقدرة على الاستثمار في لحظات الأزمات، يصبح التردد ليس مجرد خيار، بل تكلفة استراتيجية طويلة الأمد .