مطالب إيران المتصاعدة تنذر بحرب أطول… والأردن مطالب بالاستعداد
د. محمد بني سلامة
24-03-2026 08:00 PM
لم تعد التطورات الجارية في الإقليم توحي بأننا أمام جولة عسكرية عابرة يمكن احتواؤها سريعًا، بل أمام مسار تصعيدي مفتوح تتزايد فيه المطالب الإيرانية بقدر ما تتسع معه رقعة الحرب وتتعاظم كلفتها السياسية والأمنية والاقتصادية. فبدل أن تذهب طهران إلى التهدئة تحت ضغط المواجهة، تبدو وكأنها تتعامل مع التصعيد بوصفه أداة تفاوض ووسيلة لفرض شروط جديدة على الإقليم والعالم.
إن أخطر ما في المشهد الراهن ليس فقط تبادل الضربات أو اتساع مسارح العمليات، بل طبيعة الخطاب الإيراني ذاته. فعندما ترتفع مطالب “السلام” لتشمل السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، وإغلاق القواعد الأمريكية في المنطقة، والحصول على تعويضات عن الحرب، وتسليم معارضين أو صحفيين من الخارج، فإننا لا نكون أمام شروط تسوية واقعية، بل أمام خطاب متشدد يعكس قناعة بأن الحرب يمكن استثمارها سياسيًا لا مجرد تحمل كلفتها. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن أمد الأزمة قد يطول، وأن الوصول إلى تسوية قريبة لن يكون سهلًا.
تمدد الحرب في أكثر من ساحة يزيد المشهد تعقيدًا. فالمواجهة لم تعد محصورة بين إيران وإسرائيل، ولا بين طهران وواشنطن فقط، بل امتدت إلى ساحات رديفة عبر الميليشيات الحليفة والممرات البحرية والضغوط الاقتصادية. العراق يظهر اليوم كجبهة إضافية، ولبنان ما يزال ساحة قابلة للاشتعال، فيما يبقى مضيق هرمز نقطة الاختناق الأخطر في معادلة الطاقة العالمية. هذا التمدد يعني أن الحرب لم تعد حدثًا عسكريًا منفصلًا، بل أزمة إقليمية شاملة تعيد تشكيل الاصطفافات وتدفع الدول إلى مراجعة أولوياتها الدفاعية والاقتصادية.
اقتصاديًا، تبدو التداعيات شديدة الحساسية. فأي تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز ينعكس فورًا على أسعار النفط، وتكاليف الشحن، وسلاسل الإمداد، ومعدلات التضخم. والدول المستوردة للطاقة ستكون الأكثر تأثرًا، خصوصًا إذا طال أمد الأزمة أو تعرضت البنية التحتية النفطية في المنطقة لمزيد من الاستهداف. كما أن حالة عدم اليقين ستدفع المستثمرين إلى الحذر، وتؤثر على حركة التجارة والسياحة وأسواق المال، بما يضيف أعباء جديدة على اقتصادات تعاني أصلًا من هشاشة إقليمية ودولية.
أما أمنيًا، فإن الخطر لا يقتصر على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل يمتد إلى احتمالات الفوضى الإقليمية، وتصاعد دور الجماعات الوكيلة، وتزايد محاولات الاختراق والتجييش الإعلامي والسيبراني. وفي مثل هذه البيئات، تصبح الدول القريبة من بؤر التوتر مطالبة برفع درجة الجاهزية لا لمواجهة تهديد مباشر فقط، بل للتعامل أيضًا مع ارتدادات غير تقليدية: تهريب، تعبئة سياسية، حملات تضليل، اضطراب حدودي، أو حتى موجات لجوء جديدة إذا اتسعت ساحات الاشتباك.
سياسيًا، نحن أمام مرحلة قد تشهد إعادة رسم موازين النفوذ في الشرق الأوسط. فكلما طالت الحرب، ازدادت احتمالات تبدل التحالفات وارتفاع منسوب الضغوط على الدول الوسطية لاتخاذ مواقف أكثر حدة. كما أن اتساع الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي والوقائع الميدانية سيجعل إدارة التوازنات أكثر صعوبة، خصوصًا بالنسبة للدول التي تسعى إلى حماية مصالحها الوطنية وتجنب الانزلاق إلى الاستقطابات الحادة.
ومن هنا، فإن الأردن معني بشكل مباشر بالاستعداد لهذا السيناريو، ليس من باب التهويل، بل من باب الواقعية الاستراتيجية. فالمملكة بحكم موقعها الجغرافي واعتدالها السياسي وصلاتها الإقليمية والدولية، ستكون معنية بالتعامل مع آثار أي تصعيد طويل. والاستعداد المطلوب يجب أن يكون شاملًا: تعزيز الجاهزية الأمنية والعسكرية، حماية الجبهة الداخلية من الشائعات والاستقطاب، بناء خطط اقتصادية مرنة لمواجهة اضطرابات الطاقة والتجارة، وتكثيف العمل الدبلوماسي للحفاظ على مصالح الأردن وتحصين موقعه في بيئة إقليمية مضطربة.
إن الحكمة الأردنية تقتضي النظر إلى ما يجري باعتباره أزمة قابلة للتمدد لا حدثًا عابرًا. فحين تتصاعد المطالب الإيرانية بهذا الشكل، وحين تتوسع الحرب أفقيًا وتتشابك تداعياتها، فإن الاستعداد المبكر يصبح ضرورة وطنية لا خيارًا مؤجلًا. وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس قوة الدول فقط بقدرتها على رد الفعل، بل بمدى جاهزيتها قبل أن تصل النار إلى عتباتها.