تقول الحكاية ان ارسطو خرج يراقب النجوم واصطحب خادمته معه، وما لبث ان سقط ببركة ماء، فقالت له: يا سيدي، ارسلت عيونك تراقب النجوم ونسيت موضع قدمك، وهذا حال العرب ( والمسلمين) وموقفهم عموما من الحرب الدائرة الان بين ايران من جهة، واسرائيل وامريكا من جهة ٱخرى ...
جميل ان نراقب ، وحتى ان نصطف او نتعاطف مع جهة ضد الاخرى لاعتبارات دينية او اي اعتبارات ٱخرى، بمعنى ان نصطف مثلا مع ايران وندعمها في حربها ضد اسرائيل مغتصبة فلسطين والتي تعيث في المنطقة فسادا ودمارا ومن خلفها امريكا, وهنا يكون الاصطفاف مباحا اذا كانت لدينا القدرة الفعلية والاستعداد ان نحل كقوة اخرى بديلة، او ان نصطف مع امريكا للقضاء على ايران( ذات الاطماع الواضحة بالمنطقة ) ،ايضا اذا كنا بديل لايران بالمنطقة ونحل محلها كقوة اقليمية، لكننا بكل مرارة وبدون مواربة، لاحول لنا ولا قوة ، ولا نملك( فرادى) ان نحل كقوة بديلة في حال تغَلُب اي طرف على الآخر، وقد اصبح الامر واضحا وبما لا يدع مجالا للشك ان اي طرف يكسب الحرب سنكون نحن الهدف الثاني والمباشر، ولا يختلف على ذلك اثنان، فالنوايا واضحة من كلا الاطراف، حتى انه يتم التصريح بذلك علنا، والخطط وسبل التنفيذ جاهزة منذ زمن بعيد، ولا ينقصها سوى حسم الحرب ليتم اكمال المهمة، واظنه سيكون فوريا اذا ما حسمت الحرب لصالح امريكيا واسرائيل وقبل نهاية فترة رئاسة ترامب،وهنا نعود لقصة ارسطو بمراقبته للنجوم واهماله موضع قدميه ...
ان مصلحتنا في هذه الحرب في ظل وضعنا الحالي المبعثر ان لا يتغلب طرف على الآخر لتبقى حالة الردع المتبادل وتستمر الى ما شاء الله، وهذه بالمناسبة منية العاجز ودعائه، كوننا لا نملك استراتيجية او مشروع او اي شيء يعول عليه لنتصرف به ونسد فراغ الطرف المغلوب، انما رد الفعل يقتصر على الاستسلام للقدر وانتظار النتائج ونحن مكتوفي الايدي والدعاء كما اسلفنا انويبقى الوضع كما هو.
يقال ان فلانا كان تائها لكنه ضُرِبَ على راسه فأفاق وادرك اين هو، ثم دل طريقه وغذ المسير نحو هدفه بكل السبل المتاحة، والامة العربية اتمت الان قرنا او يزيد من التيه، وتلقت من الضربات على الراس والاطراف ما يكفي لبعث الميت من جديد، لكن وبرغم كل الضرب لم تفق، بل انها تزداد تيها وسباتا ضربة بعد ضربة، والضربات الاخيرة لا تسبب الصداع فقط ،لكنها اصبحت تهدد الوجود والاستمرار، وما زال كل قطر يغني على ليلاه، ويتصرف بذهنية "اللهم نفسي" وبالنهاية فالكل خاسر والكل مسرح صراع والنتائج على الارض تثبت ذلك.
والسؤال الان : هل بإمكان العرب الخروج من هذا التيه؟ الجواب: نعم ولكن ...
تشير الحقائق الموضوعية ان بامكان العرب الانتقال من ساحة صراع إلى كيان فاعل مستقل وقوة إقليمية ( وربما عالمية) وهذا ممكن نظريًا، لكن بشروط صعبة اولها امتلاك الارادة السياسية، فالعرب يتمتعوا بمقومات فعلية واساسية لكنها كامنة تنتظر التفعيل والاستغلال، فالموقع الجيوسياسي للمنطقة العربية الذي يقع بين آسيا وأوروبا وأفريقيا ويتحكم بممرات حيوية مثل قناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب، وهذه نقاط بالغة الاهمية للتجارة والطاقة على المستوى العالمي، ايضا الموارد الطبيعية، فالمنطقة العربية مجتمعة تملك أكبر احتياطات نفط وغاز في العالم، ولديهم القدرة على التأثير في السوق العالمي للطاقة، الامر الذي يمنح نفوذًا اقتصاديًا هائلًا إذا تم توظيفه بشكل استراتيجي لمصلحة الامة، ولا نغفل عن الكتلة السكانية الضخمة فهي أكثر من 400 مليون نسمة تمثل سوقا كبيرة وقوة عمل محتملة، وكذلك قوة إنتاج واستهلاك واعدة، اما فيما يتعلق بالعمق الثقافي، فاللغة العربية والدين تعتبر عوامل توحيد قوية، ووجود جامعة الدول العربية (حتى بوضعها الحالي الضعيف ) تعطي أساسًا لهوية مشتركة جامعة تفتقده مناطق وٱمم أخرى ، ويمكن الانطلاق بالجامعة لآفاق اوسع وارحب من العمل والتنسيق المشترك، ولا ننسى ان هناك فوائض مالية خصوصا عند دول الخليج، فهي تمتلك صناديق سيادية ضخمة يمكن أن تمول نهضة صناعية وتكنولوجية عربية.
لكن هناك نقاط ضعف (وهنا تكمن المشكلة الحقيقية) تحد وتعرقل هذا التوجه، كالانقسام السياسي وغياب مشروع عربي موحد، وصراعات داخلية وإقليمية (أحيانًا بين العرب انفسهم) تمنع او على الاقل تبطيء قيام قوة مؤثرة اقليميا وعالميا اهمها التبعية للخارج والاعتماد الأمني على قوى خارجية، والارتباط الاقتصادي والتقني بالغرب والصين، اما ما يخص القرار الاستراتيجي فهو بالحدود الدنيا من الاستقلال والسيادة، ثم نأتي لضعف القاعدة الصناعية والتكنولوجية وضعف البحث العلمي والابتكار، وهنا لا بد من التأكيد على انه لا توجد قوة فاعلة بدون قاعدة إنتاج معرفي الامر الذي يفتقده العالم العربي نسبيا، اما ازمة الحكم والإدارة فيتمثل بضعف المؤسسات في العالم العربي، من غياب الشفافية والمساءلة الذي يعيق التقدم وكذلك يعيق المشاريع الكبيرى السياسية والاقتصادية طويلة المدى، اما المشكلة الكبرى فتتمثل بغياب مشروع حضاري واضح ، اذ لا يوجد نموذج عربي موحد ينافس نماذج مثل النموذج الغربي أو الصيني.
اذا ما الذي يحتاجه العرب ليصبحوا قوة مستقلة ومؤثرة؟ بحاجة الى تكامل إقليمي حقيقي (وليس شكلي) واحياء مجلس الدفاع العربي المشترك، وتحويل جامعة الدول العربية إلى اتحاد فعلي (اقتصادي مبدئيا) يؤسس لسوق عربية مشتركة وتنسيق في الطاقة والغذاء والصناعة، التحول من الاقتصاد الريعي إلى الإنتاجي واستثمار النفط في الصناعة والتكنولوجيا والتعليم كما فعلت سنغافورة وكوريا الجنوبية و الصين، وبناء قوة عسكرية مشتركة ليس بالضرورة موحدة بالكامل، لكن على الاقل عقيدة دفاعية مشتركة، ووضع اساس لصناعات عسكرية محلية كخطوة اول ، الامر الذي يدعم الاستقلال السياسي فهو اولا وآخرا بحاجة لقوة ردع مؤثرة يحسب الغير حسابها، ولتحمي مسيرته وإنجازاته.