"فلو كان الدين الإسلامي هو محركها"
د. رندة نايف ابوحمور
26-03-2026 06:49 PM
فالقول إن الدين لو كان هو المحرك، يعني ضمنا أنه ليس كذلك الآن، وأن ما نشهده لا يزال أسير حسابات أخرى، أكثر براغماتية وأشد التصاقا بمنطق القوة والمصلحة، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى قراءة متأنية، تميز بين ما هو عقدي وما هو سياسي، بين ما يرفع كشعار، وما يدار كقرار، فالدين ليس في الميدان بعد.
وهنا وفي خضم التصعيد المتسارع حول إيران، تتكاثر الروايات، وتعلو الأصوات التي تحاول تصوير ما يجري على أنه حرب دينية، أو مواجهة عقائدية كبرى تقترب ملامحها من الحسم. غير أن القراءة المتأنية، البعيدة عن الانفعال، تكشف أن ما نشهده اليوم لا يزال يدور في إطار مختلف تماما، إطار تحكمه موازين القوة، وتحركه المصالح، وتضبطه حسابات السياسة والاقتصاد، لا دوافع العقيدة ولا حتميات الدين.
فالحروب، كما يعلمنا التاريخ، تدار بالمصالح. وما يجري اليوم في محيط إيران هو صراع نفوذ، تتداخل فيه القوى الكبرى،-مقالي السابق- وتتصارع فيه الإرادات الدولية على الجغرافيا الاستراتيجية، ومصادر الطاقة، وخطوط الإمداد، ومناطق التأثير. إنها معركة مواقع، لا معركة مبادئ، ومعادلة مصالح، لا معادلة إيمان.
لقد علمنا القرآن الكريم أن الصراع في الأرض تحكمه سنن ثابتة، لا تتغير بالشعارات، قال تعالى: "وتلك الأيام نداولها بين الناس"، في إشارة واضحة إلى أن التداول في القوة والنفوذ هو سنة من سنن الحياة، وليس بالضرورة انعكاسا لصراع ديني مباشر. كما يشير القرآن إلى أن التدافع بين الأمم قائم على حفظ التوازن، لا على فرض الهيمنة العقدية، في قوله تعالى: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض".
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة المشهد الإيراني إلا ضمن هذا الإطار السنني، فالدول لا تتحرك بدافع نشر الدين بقدر ما تتحرك بدافع حماية مصالحها وتعزيز نفوذها. وحتى حين يستخدم الدين في الخطاب السياسي، فإنه غالبا ما يكون أداة تعبئة، لا محركا حقيقيا للقرار.
أما الحديث عن "حرب دينية" كبرى، فهو حديث سابق لأوانه. فالنصوص الشرعية، سواء في القرآن الكريم أو في السنة النبوية، حين تناولت صراعات ذات طابع عقدي، ربطتها بسياقات مختلفة، وبشروط لم تتشكل بعد في واقعنا الراهن. ولم يكن الدين يوما غطاء لصراعات النفوذ، بل كان إطارا قيميا ينظمها ويهذبها، لا يشعلها.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الانجرار خلف الفتن حين تختلط فيها المفاهيم، وتضيع فيها البوصلة، فقال علية افضل الصلاة والتسليم: "ستكون فتن،
القاعد فيها خير من القائم"، في إشارة إلى خطورة التسرع في توصيف الأحداث دون فهم عميق لحقيقتها.
إن أخطر ما يمكن أن نقع فيه اليوم هو إسقاط البعد الديني على صراع لم تتشكل ملامحه العقدية بعد، لأن ذلك لا يؤدي إلا إلى تضليل الوعي، وتغذية الانقسام، وإضعاف القدرة على قراءة الواقع كما هو، لا كما نريده أن يكون.
ما يجري اليوم هو صراع سياسي بامتياز، تستخدم فيه أدوات الاقتصاد، وتحركه تحالفات عسكرية، وتضبطه حسابات دقيقة، لا علاقة لها في جوهرها بحرب دينية فاصلة. وربما يكون من الحكمة أن نبقي الدين في مكانه الصحيح: مرجعية أخلاقية وميزانا للفهم، لا أداة تفسير لكل صراع.
إن الوعي بطبيعة الصراع هو الخطوة الأولى نحو التعامل معه بواقعية، بعيدا عن التهويل أو التبسيط. فالدين، في عمقه، لا يستدعى لتبرير الحروب، بل ليحفظ الإنسان من الانزلاق في فوضاها.
وفي زمن تتداخل فيه الحقائق بالروايات، تبقى الحاجة إلى قراءة عقلانية، تستند إلى فهم السنن، وتدرك أن لكل مرحلة أدواتها، وأن ما لم يحن وقته، لا يجوز استحضاره قسرا. فالدين، ليس في الميدان بعد.