بالأمس، حاولت أن أُطعم القطط الضالة في الحي. لم أجد ما يكفي من الصحون الورقية الصغيرة، فوضعت الطعام في صحنٍ كبير واحد. ناديتهم بصوت المفاتيح، فجاؤوا جميعًا بسرعة.
وقفوا حول الصحن بدهشة. هذه المرة عليهم أن يأكلوا معًا.
قفزت القطة الأكثر شراسة أولًا، وبدأت تأكل وحدها. وكلما اقتربت قطة أخرى، كانت تزأر وتُبعدها. لم تكتفِ بالزأر، فحاولت إيذاء كل من يقترب، وكأنها تريد احتكار كل شيء لنفسها.
مشهدٌ صغير لكنه يحمل ملامح عالمٍ أكبر.
بدافعٍ من الاستياء، رفعت الصحن منها. نظرت إليها بحزم، ثم ناديت القطة الأهدأ والألطف. جاءت بخجلٍ يكاد يُشبه الاعتذار، وكأنها لا تريد أن تتقدّم على غيرها. شجعتها أن تبدأ.
ثم بدأت البقية تقترب. واحدةً تلو الأخرى.
وكانت القطة اللطيفة تستقبلهم جميعًا برحابة، تفسح لهم المكان، وتشاركهم الطعام بهدوء وسلاسة.
لا صراخ، لا شجار، لا إقصاء. فقط مشاركة، وطمأنينة، واتساع.
هنا يتجاوز المشهد حدوده الصغيرة.
من منظور علمي، تشير الدراسات إلى أن الاقتصادات التي تقوم على التضامن، على الثقة، والتعاون، وتقاسم الفرص، تُحقق عوائد مزدوجة: أخلاقية ومادية. حين تسود الثقة، تنخفض كلفة التعامل، وتزداد الإنتاجية، وتتفتح مساحات الابتكار، لأن الموارد لا تُحتكر بل تتوزع بما يسمح بمشاركة أوسع.
في المقابل، تُفضي الفردانية المفرطة والاحتكار إلى تركّز الموارد، وتعطيل المنافسة، وإقصاء طاقات كان يمكن أن تُضيف قيمة حقيقية. إنها لا تُنتج فقط فجوات أخلاقية، بل تُهدر فرصًا اقتصادية كامنة، وتُضعف ديناميكية المجتمع.
وهنا لا يعود المشهد مجرد لحظة عابرة مع قطط في حيّ، بل مرآة لقيمة أعمق في حياتنا: أن التضامن ليس خيارًا أخلاقيًا فقط، بل نمط عيشٍ تعلّمناه يومًا، وتشكّل في تفاصيل تربيتنا الأولى.
كان الصباح يبدأ يومًا بالنشيد الوطني. ليس مجرد لحنٍ يُعزف في فراغ، بل كان سلوكًا جماعياً يُرسّخ معنىً: أنك لستَ وحدك، وأن ثمة شيئاً أكبر منك تنتمي إليه. وأنتَ جزءٌ من كلٍّ.
وكان فناء المدرسة يُنظّف بأيدي الطلبة، لا كواجبٍ مفروض، بل كقناعةٍ راسخة: أن العامّ مسؤولية الجميع.
هناك، في تلك التفاصيل البسيطة، كان يتشكل رأس المال الاجتماعي بصمت. وصونه واجبٌ جماعي. لم يكن ذلك ضعفاً أو سذاجةً، كان رأسمالاً اجتماعياً يتراكم في صمت، يبني ثقةً بين الناس قبل أن تكون للثقة سوقٌ أو ثمن.
في ذلك الزمن القريب البعيد، لم تكن القيمة تُبنى بالصورة، بل بالفعل.
الطبيب الذي يخرج في منتصف الليل لبيت جارٍ فقير، والمعلم الذي يبقى بعد الحصة ليشرح لمن لم يفهم، والمهندس الذي يُصلح ما أفسده الإهمال دون أن يطلب مقابلاً، هؤلاء كانوا القادة الفعليين للمجتمع. لم تكن لهم صفحات ولا متابعون، لكن كان لهم شيءٌ أثمن: كانت لهم ذاكرة المكان.
وكانت المرأة والرجل اللذان يجمعان جيرانهما لحل مشكلة الحي، انقطاع الماء، أو طفلٌ محتاج، أو أسرةٌ في أزمة، يحملان لقباً غير رسمي لا يُشترى: الجدارة بالاحترام. كان ذلك شبكة الأمان الاجتماعي الحقيقية، مبنيةً على العلاقات والثقة، لا على التطبيقات والخوارزميات.
ليست هذه دعوةً للحنين الواهم، ولا رثاءً لماضٍ مُثالي لم يكن كذلك قط. ثمة في الماضي ما كان مظلماً وجاهلاً ومجحفاً. لكن ثمة فيه، وهذا ما نحتاج استخلاصه، نموذجٌ للقيمة يقيس الإنسان بما يُعطي لا بما يُظهر.
لربما ما ينقصنا هو أن نفتح الطريق لمن يعرف معنى المشاركة، لمن يحمل قلبًا نقيًا، ولمن يرفع الآخرين معه كما يرفع نفسه. يدعم النجاح والتميز فلا يحاربه ويهابه.
هذا ليس ضعفًا. بل أرقى أشكال الشجاعة.
ما فقدناه ليس الأخلاق بالمعنى الوعظي الفج. ما فقدناه هو المخيال الجمعي الذي يُحدد مَن يستحق الإعجاب ولماذا. فقدنا القدوة التي تقول: الشجاعة والقيمة في الإسهام لا في الظهور، في البناء لا في التصوير، في الوفاء لا في الصدى.
الشجاعة أن تفسح مكانًا لغيرك، أن تُشارك، أن تُعطي، أن تبني مع الآخرين لا عليهم.
نحن بحاجة إلى اقتصادٍ مختلف في زمن يعلو فيه الضجيج وتضيق فيه المساحات. اقتصادٍ يقوم على التضامن، والعطاء، والإيثار.
حين تتقدّم المشاركة وتترسّخ الثقة، يتراجع منطق الشِللية، ويصعد التضامن ليبني مجتمعًا متماسكًا لا يترك أحدًا خلفه، بل يمضي بالجميع نحو ازدهارٍ مشترك.