صحوتُ في طفولتي المبكِّرةِ على الحربِ حينَ هاجرتُ مع عائلتي منْ مخيَّمِ اللُّجوءِ في أريحا إلى مخيَّمِ النُّزوحِ في عمّانَ، وما لبثتْ أنْ نشبتْ معركةُ الكرامةِ مع العدوِّ الصُّهيونيِّ التي أذكرُها - كما يذكرُها الأردنيّون والفلسطينيون- بكلِّ فخرٍ؛ إذ كانَ أخي الأكبرُ – رحمه الله تعالى - واحدًا منْ أفرادِها، ثمَّ سرعانَ ما نشبتْ حربُ الأخوةِ فيما عُرفَ ب (أيلولِ الأسود) التي أذكرُها على استحياءٍ حينَ رأيتُ بأمِّ عيني الضَّحايا من الطَّرفين لأصحوَ على سؤال:
في حربِ الأخوةِ أو بني العمومةِ أيُّهما الشَّهيدُ وأيُّهما القتيلُ؟
مدرستي الابتدائيةُ في المخيَّمِ أصبحتْ مقبرةً لضحايا الحربِ مدَّةَ شهرٍ، ولعبْتُ مع أقراني بينَ القبورِ، حينَ كنتُ أشاهدُ معلمتي تأتي كلَّ يومٍ بغطاءِ رأسِها الأسودِ وتبكي عندَ قبرِ خطيبِها ثمَّ تغادرُ، كنتُ أبكي معها ولا أفهمُ ما يحدثُ.
كتبْتُ في صغري عنْ عذاباتِ المخيَّمِ، ولمْ يغبْ عنْ بالي أنَّ الطُّفولةَ تُغتالُ كلَّ يومٍ حينَ لا يلعبُ الأطفالُ في ملاعبَ خضراءَ، وحينَ يكونُ الدَّمُ ممنوعًا على المسرحِ، ولكنَّهُ موجودٌ في كلِّ تفاصيلِ واقعِنا في الشَّرقِ والغربِ بسببِ الظُّلمِ والتَّطرُّفِ والإلغاءِ والإقصاءِ تارةَ باسمِ الدِّينِ، وتارةً بالتَّطهيرِ العرقيِّ.. الخ
نشأتُ وأنا أحملُ همَّ الطُّفولةِ، فكانَ أنْ كتبْتُ مسرحيتين للصِّغار فازت الأولى بجائزةٍ على مستوى الوطنِ العربيِّ، وفازت الثّانيةُ بجائزةٍ محليَّةٍ في وطني الأردنّ: الأولى (بيتُ الأسماكِ) التي تحملُ همَّ التَّلوُّثِ البيئيِّ، وتُعنى بقيمِ التَّعاونِ والمحبةِ والإخاءِ... بعدها كتبْتُ (حقولَ الجزرِ والخسِّ) في الانتصارِ لقيمةِ الشَّجاعةِ، وهتكِ ستائرِ الوهمِ والخوفِ ثمَّ مسرحيَّتي الثّالثةِ التي تتناولُ الطُّفولةَ في عصرِ (الإنترنت) والانفجارِ المعرفيِّ والعلميِّ.
كتبت مرّة ووسمَ (حلب تحترق) هو الوسمُ الأكثرُ تداولًا على مواقعِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ، حيثُ صورُ الأطفالِ الغارقين بدمائِهم هي الأكثرُ ظهورًاعلى مرأى ومسمعِ كلِّ منظَّماتِ حقوقِ الطِّفلِ وحقوقِ الإنسانِ العربيَّةِ والدَّوليَّةِ، ثم وسم أنقذوا غزّة، غزّة التي لم تهدأ منذ نحو عشرين عامًا.
وكانَ أنْ أصبحت الطُّفولةُ أيضًا هاجسًا في مقالاتي فكتبْتُ عنْ الطُّفولةِ في عيدِها، وتجنَّبْت الأرقامَ التي لا تنبئُ إلّا عنْ يتمٍ ومرضٍ وتجهيلٍ ودمارٍ، وكتبْتُ عنْ همِّ الكتابةِ للصِّغارِ وما يواجهُها منْ معوِّقاتٍ في غيرِ ما ندوةٍ، يحدوني في ذلكَ ممارسةٌ يوميَّةٌ للعملِ التَّربويِّ؛ إذْ عملتُ سنواتٍ معلمةً في مدرسةٍ دوليَّةٍ تُعنى بقيمِ التَّميُّزِ والنَّزاهةِ وقبولِ الآخرِ.
وظلَّت الحربُ تطلُّ برأسِها كلَّ حينٍ فكانت هاجسًا في عددٍ منْ نصوصي أيضًا، فعندما شُنَّت الحربُ على غزَّةَ قلتُ يومها:
لقوسِ قزحَ سبعةُ ألوانٍ
ولغزةَ عندي لونٌ واحدٌ
كلُّ الألوانِ هو الأحمرُ
حينَ تكونُ الكرامةُ هي العنوان
نعم، حينَ يكونُ قوسُ قزحَ – رمزُ الفرحِ والطُّفولةِ بسبعةِ ألوانٍ وتكونُ غزةَ - ومنْ بعدِها أو معها حلبُ- بلونِ الدَّمِ فقط.
ماذا تكتبُ المرأةُ في زمنِ الحربِ؟ تلكَ حربُ الدَّمِ التي توازي حربَ القبيلةِ حينَ تعيشُ المرأةُ أسيرةَ أبٍ متسلِّطٍ أوأخٍ ظالمٍ أوزوج قاهرُها على أمرِها عندما تعطيه القبيلةُ كلَّ المفاتيحِ - أعني مفاتيحَ إلغاءِ المرأةِ والتَّصدي لنجاحِها.
للحقِّ لمْ ألقَ منْ أسرتي تشجيعًا كبيرًا في بداياتي أو حتّى حينَ كنتُ جزءًا من العملِ في مجلَّةِ الجامعةِ الأردنيَّةِ وصحيفتِها في مرحلةٍ لاحقة، كما لمْ ألقَ تثبيطًا أيضًا، ولكننَّي حينَ اقترنتُ بالكاتبِ الأردنيِّ الرّاحلِ (عاطف الفرّاية) – رحمه الله تعالى - قبلَ نحوِ ربعِ قرنٍ فقدْ أعطاني أكثرَ بكثيرٍ ممّا يمكنُ أنْ يعطيَه رجلٌ لامرأةٍ؛ إذْ كانَ مع المرأةِ في كلِّ قضاياها، فكان يحترمُ أدائي وانشغالي معلِّمةً وتربويَّةً، وإبداعي كاتبةً حينَ كنّا نناقشُ النّصوصَ والمقالاتِ سويَّةً قبلَ نشرِها.
الميديا في زمنِ السِّلمِ والحربِ مارستْ دورًا واحدًا هو تهميشُ المرأةِ وتشييئُها وتسليعُها حينَ كانت موضوعاتُ الطَّبخِ والرّيجيمِ والأزياءِ والموضةِ مرتبطةً بمجلّاتِ المرأةِ وبرامجِها وكلِّ ما يصدرُ عنْ ذلكَ منْ دعايةٍ وإعلانٍ، فقدْ كانت المرأةُ - وما زالتْ - مادَّةَ الإعلانِ وموضوعَه.
وعن الحربِ فكلُّ ما فعلتْه (الميديا) أنَّها ساهمتْ في استمراءِ القتلِ و(عديَنةِ) منظرِ الدَّمِ.. فما الذي يبرِّئُنا؟!
على المرأةِ كاتبةً وأمًّا ومربيّةً يقعُ عبءٌ كبيرٌ ولا بدَّ منْ أنْ تنهضَ المرأةُ بدورِها التَّوعويِّ وليس قبلَ الكلمةِ أداةُ فعّالةٌ ننتظرُ أنْ تثمرَ ولوْ بعدَ حينٍ.