حربٌ تُقصف… ولغةٌ تُلطّف: حين تتحول النيران إلى “توتر”
د. محمد بني سلامة
28-03-2026 05:48 PM
في زمنٍ لم تعد فيه الحقيقة تُخفى بقدر ما يُعاد تجميلها، نقف أمام مشهد عبثي تختلط فيه الوقائع الصارخة بمصطلحات مخففة تُقدَّم للرأي العام وكأنها بدائل بريئة للواقع. حربٌ مشتعلة تستخدم فيها أحدث أنواع الأسلحة، تُحصد فيها الأرواح بالمئات، وتُدمَّر فيها المنشآت، وتمتد آثارها إلى دول الخليج العربي وعدد من الدول العربية، بل وتنعكس ارتداداتها على الاقتصاد العالمي… ومع ذلك، يُصرّ الخطاب الرسمي والإعلامي على تسميتها: “توترًا”!
يبدو وكأننا نعيش عرضًا حيًا للقوة التدميرية، حيث الصواريخ تتطاير، والتهديدات تتصاعد، والجغرافيا تتحول إلى مسرح مفتوح للنار، لكن لا داعي للذعر—هكذا يُقال لنا—فالأمر لا يتجاوز “تصعيدًا يمكن احتواؤه”! لغةٌ ناعمة تُسكّن الصدمة، لكنها لا تغيّر من حقيقة أن ما يجري هو حربٌ مكتملة الأركان، تُدار بتكلفة مليارات الدولارات، وتُعيد رسم ملامح الإقليم.
هذه ليست مجرد مفارقة لغوية، بل إعادة هندسة للوعي. فحين تُستبدل كلمة “حرب” بـ“توتر”، و”الدمار” بـ“تصعيد”، فإننا لا نخفف من الحدث، بل نُفرغه من معناه، ونُطبع المأساة كأنها حالة قابلة للإدارة، لا كارثة تستوجب الإيقاف الفوري. والأسوأ أن الجهود الدولية لا تُقدَّم كمساعٍ لإنهاء الحرب، بل كـ“جهود لخفض التوتر”، وكأن المنطقة ليست على حافة انفجار، بل أمام نقاش دبلوماسي يمكن تهدئته ببعض العبارات المنمقة.
إن هذا التلاعب بالمصطلحات لا يُضلل الرأي العام فحسب، بل يخلق حالة من البلادة الأخلاقية، حيث يفقد العالم حساسيته تجاه الألم الإنساني. وحين يصبح القتل “تصعيدًا”، والدمار “توترًا”، فإن الخلل لم يعد سياسيًا فقط، بل قيميًا وإنسانيًا في جوهره.
وفي سياق أوسع، فإن تصعيد المواجهة الإقليمية الأخيرة وتوسيعها في الشرق الأوسط لا يمكن قراءته بمعزل عن تداعياته العميقة على ديناميكيات الأمن في المنطقة. فالمسارات التكتيكية قصيرة الأمد—كما يُسوَّق لها بكل اطمئنان—قد تبدو وكأنها مجرد “إجراءات محسوبة”، لكنّها في الحقيقة أشبه بلعبٍ بالنار مع ابتسامة دبلوماسية باردة؛ نُطمئن أنفسنا بأنها خطوات صغيرة، بينما هي تفتح أبوابًا واسعة لفوضى استراتيجية طويلة الأمد، تعيد تشكيل توازنات القوى وتُدخل المنطقة في دوامات جديدة من عدم الاستقرار، في مشهدٍ يكاد يُختصر بعبارة ساخرة: حربٌ تتسع… وخطابٌ يضيق حتى يسميها “توترًا”!
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: إذا كان كل هذا يُسمى “توترًا”، فماذا سنسميه إذا ارتفعت حدته أكثر؟ هل سنخترع مصطلحات أكثر لطفًا لاحتواء فظاعة الواقع، أم سنجرؤ أخيرًا على تسمية الأشياء بأسمائها؟
إن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على اللغة أيضًا. فالكلمات ليست حيادية، بل تُشكل وعينا وتحدد مواقفنا. وحين تُشوَّه اللغة، يُشوَّه معها إدراكنا للحقيقة… وربما قدرتنا على مواجهتها.