facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الارتباط والسببية في فهم وتشكيل الخطاب الديني


إبراهيم غرايبة
29-03-2026 09:30 AM

"النفايات تصير فئران وصراصير" كانت هذه مقولة علمية سائدة في عصور سابقة. اليوم يعرف كل إنسان تقريبا برغم الارتباط بين النفايات أو الصرف الصحي وبين الصراصير والفئران أن الفئران ليست قطعة جبنة ملقاة بإهمال.

تدافع هذه المقالة عن فكرة أن الاسباب الحقيقية وراء معتقدات البشر مختلفة عما يظنون نظرا لأنها ناتجة عن احداث وعمليات لا يدركونها أو لا يسعون إلى إدراكها، وأنها حتى مع الموافقة على ارتباطها بنصوص مقدسة يعتقد أتباعها أنها نزلت من السماء؛ فإن هذه الاستقلالية للنصوص والقيم الكبرى المنبثقة عنها ليست مستقلة تماما عن السياق التاريخي والجينالوجي الذي تنشأ فيه الأفكار والمعتقدات.

يغلب على الأفكار السائدة في السياسة العمومية والدينية والإعلام ويجاريها في ذلك جماعات صناعة المحتوى في التدريب والتفكير الحياتوي والريادة والنجاح والإبداع والتنمية الذاتية والتفكير النقدي والفتاوى الدينية والتحليلات السياسية وبرامج التدريب والبرمجة اللغوية والعصبية ومهارات الحياة والتعليقات في الفضائيات والمنصات تفسير الظواهر والحالات والأحداث والأهداف عبر علاقات وإن كانت تبدو صحيحة فإنها انتقائية ومزاجية وسهلة مبسطة، وتتجاهل التكوين الحقيقي للظواهر والأحداث والتداعيات الشاملة والمعقدة والتي يصعب فهمها أو الاحاطة بها من غير ردها الى أسبابها وجذورها التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية أيضا. هؤلاء الارتباطيون أو "المعلوماتيون بلا معرفة' يهيمنون على الإعلام والسياسة في مجالها العمومي والتدريب في الحقول والتحديات الناشئة. ويواجهون أية محاولة ولو بسيطة لتحدي منظومة "نقص المعرفة" وعمليات الإغراق بالأمثلة والأدلة اللحظية واليومية ويستبعدون بقسوة أفكارا ومعارف وحكمة متراكمة في أوعية المعارف والعلوم والمؤسسات التعليمية والبحثية وسياق التاريخ والعقل والذوق المعرفي والفطري.

ولسوء الحظ فقد أجلبوا بخيلهم ورجلهم. وتحالفت معهم مؤسسات عامة وثقافية تقليدية وصاروا طوفانا من المعلومات والبيانات الصحيحة والوهمية والزائفة أو غير المكتملة يصعب مقاومته. لكنهم أيضا تحولوا الى طاعون أو وباء جديد يصيب بالهشاشة والخواء كل ما يصل اليه من أفراد وطبقات وجماعات ومؤسسات وأفكار، وحتى السلوك العام وأسلوب الحياة.

الأسوأ من ذلك ظاهرة المجاميع شبه المنظمة وإن لم تكن منظمة بالمفهوم التقليدي والتي تفكر وتسلك وفق كتالوج جاهز ومعد مسبقا وقواعد منظمة ومبسطة للأفكار والمواقف والتقييم والذوق والاختيار والاعجاب والتأييد والمعارضة. والأكثر سوءا وخطورة هو السياسيون والمثقفون والباحثون والاكاديميون الذين يتخلون عن ذكائهم وتكوينهم المعرفي التقليدي والفطري ليشاركوا في الموجة ويتحولوا الى مروجين ومندوبي دعاية ومقدمي خدمات "ديليفري" برتبة أستاذ دكتور او بوصفهم مثقف أو باحث أو سياسي.

سوف اشير الى أمثلة وحالات تشبه المثال التاريخي الوارد في المقدمة. الأيديولوجيات الدينية التي تؤثر في المشهد السياسي العالمي القائم (الأصوليات اليهودية والمسيحية والإسلامية) تشكل اليوم مكونا رئيسيا في الفكر السياسي والإعلامي لأطراف الصراع، الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فهل الحرب القائمة هي حرب أصوليات؟ هل الأصوليات الدينية هي التفسير الوحيد للصراع؟ أو حتى هل تصلح أن تكون جزءا رئيسيا من تفسير المشهد السياسي والعام القائم اليوم؟

إن الأصوليات الدينية "الإبراهيمية" متشابهة إلى درجة التطابق، وهذا يقتضي بداهة أن تكون متعاونة ومتضامنة فيما بينها، وهذا ما يحدث بالفعل في بيئات ومجتمعات عادية ومستقرة. في دول ومجتمعات عربية وإسلامية وغربية كثيرة مستقرة يتشابه المتدينون من جميع الأديان فيما بينهم في رؤية وتفسير كثير من الظواهر وفي الموقف منها. مؤكد وهذا نراه ونلمسه في علاقاتنا وحياتنا اليومية.

فالذين يحرمون "الخمر" أو "لحم الخنزير" مهما اختلفت أديانهم سوف يتضامنون في موقفهم من الخمر أو لحم الخنزير. وقد رأينا في "سيداو" كيف تضامن المتدينون والمحافظون المسلمون والمسيحيون في التصدي لمطالب وسياسات في مجال الأسرة يرونها تتعارض مع معتقداتهم وأفكارهم الدينية والاجتماعية المتشابهة. وحتى في إسرائيل رفض المتدينون اليهود منع الأذان الإسلامي لأن الأذانين اليهودي والإسلامي للصلاة يشبهان بعضهما. والأيديولوجيات القومية أيضا تتضامن فيما بينها، ومن الملفت وربما المحير أن القوميات النازية اليوم تتعاون وتتضامن مع الصهيونية. ومن الأفكار والمشاهد الطريفة في فيلمي "الإرهابي" و "أنا بحب السيما" كيف يتطابق سلوك وفكر المتدينين المسلمين والمسيحيين لدرجة يصعب التمييز بين المسلم والمسيحي. وفي مجتمعات إندونيسية يتجاور ويتعايش فيها المسلمون والهندوس تعرض في مساجد المسلمين مسرحيات "رامايانا" التي تعتبر مؤسسة للفكر والوجدان الديني الهندوسي؛ ليس فقط لأسباب سياساتية او مبادرات توجيهية، لكن لأن المسلمين في تلك المجتمعات ينظرون إلى "رامايانا" كتراث ثقافي واجتماعي ينتمون إليه، ومن المعروف أن التحول الديني لدى الأفراد والجماعات لا يغير التراث الاجتماعي والثقافي العميق والممتد في التاريخ وفي سجل ومسار الجماعات والأفراد.

هناك أمثلة صحيحة عن الحالات والأحداث الجنونية التي تجري بسبب الكراهية الدينية أو القومية، وهي بالمناسبة مرتبطة بكل الأيديولوجيات والأفكار المتطرفة في جميع الأديان والقوميات. لا يمكن بالتأكيد نفي أو استبعاد الدوافع الدينية أو الأيديولوجية من الصراعات وتفسيرها.

إن الأديان قائمة وسائدة ولها أتباعها منذ آلاف السنين، ونصوصها المؤسسة موجودة ومتداولة منذ نشوء الأديان، ولم يكتشف الأصوليون من كل الأديان نصوصا دينية جديدة أو مختلفة عما هو موجود ومتداول بين أتباع الأديان منذ نشوئها وانتشارها، فلماذا يحدث الصراع اليوم؟ مؤكد إذن أن الإسناد الديني للصراع جرى استحداثه وتوظيفه بسبب الحاجة إليه وليس لأنه فكرة مستقلة بذاتها عن التاريخ والبيئة المحيطة.

ومن المفارقة الصارخة في الإسناد الديني لما يجري أن أتباع ومؤيدي "من لطمك على خدّك الأيمن فحول له الأيسر" يدمرون العالم ويبيدون المجتمعات والبلاد والبيئة، ويستعبدون الناس ويهيمنون على موارد ليست لهم ولا يحق لهم الاستيلاء عليها، وأن أتباع "فاقتلوهم حيث ثقفتموهم" يتعرضون للقتل والإبادة والاحتلال. إن أكثر من 99 من ضحايا العنف اليوم في ارتباطات دينية هم مسلمون.

لكن برغم ذلك لا تريد الفضائيات التلفزيونة ولا القائمون عليها أن تقول مثلا إن تنظيم "داعش" يتحرك وينشط وفقا لفرص التمويل والإيواء والتسليح، ولا يكفي لفهم ما يجري أن تعرض أيديولوجيا داعش ومواقفه الدينية والفكرية، ويشعرون (كما حدث معي حرفيا) بالغضب والحرج بل إن أحد مذيعي الفضائيات المشهورين قطع المحادثة بطريقة تخلو من اللياقة والذوق السليم عندما أجبت على سؤاله إن جماعات العنف تعمل في سياق خريطة الصراع القائمة وأطرافها الفاعلة، وكان ينتظر مني فقط أن أدين التطرف والمفكرين المؤسسين للتطرف حتى دون تمييز وملاحظة الفروق بينهم. ودون إقرار بأنك يمكن أن تجيب على السؤال وتفسر ما يجري مثل سؤال عن النشرة الجوية، هل نقول مثلا إن من يتوقع سقوط المطر هو معتدل ومن يسبتعد سقوطه هو متطرف؟

إن الظواهر مخاتلة ولا تكفي الملاحظة لفهمها وإدارتها وإن كانت الملاحظة شرطا ضروريا ومؤسسا لفهمها وتفسيرها. وأن القاعدة الأساسية في العلم هي "تفهم الأشياء كما تدركها الحواس" لكن أيضا تفهم الظواهر والأحداث وفق مجموعة من القواعد والمبادئ البديهية والبسيطة، مثل عرض الاحتمالات والافتراضات الممكنة والمتعددة، والتعامل معها مرة باعتبارها صوابا والبحث عن أدلة صحيحة تسندها وتؤيدها، ومرة أخرى باعتبارها خطأ والبحث عن الأدلة الصحيحة التي تعتبرها خطأ أو تشكك فيها، وأن تجرى هذه المعالجة (الأدلة المؤيدة والمعارضة) مع جميع الاحتمالات والافتراضات بكفاءة ونزاهة. لكنه فعل صعب ومملّ ولا يناسب الفضائيات والمنصّات والجماهير، ومن الغريب والمحزن أن يعامل المحللون والسياسيون الذين تستضيفهم المؤسسات الإعلامية كأبطال أو كخائنين! برغم أنه يفترض أنهم يتعاملون مع حدث أو مسألة لا بطولة في فهمها سواء كان هذا الفهم صحيحا أو خطأ. صحيح بالطبع أن عدم النزاهة خيانة.

هناك مسألة في هذا السياق هي أكثر تعقيدا، كيف يؤمن البشر وكيف لا يؤمنون؟ كيف ينشئون معتقداتهم وأفكارهم ومشاعرهم؟ إن الاسباب الحقيقية وراء معتقدات البشر مختلفة عما يظنون نظرا لأنها ناتجة عن أحداث وعمليات لا يدركونها أو لا يسعون إلى إدراكها، لكن يكاد يكون ثمة إجماع على أن المعتقدات والأفكار ليست حجرا نزل من السماء. فهي ليست مستقلة عما يدور حول الأفراد والجماعات من أحداث وتفاعلات وآلام وأسئلة وتراكم تاريخي، وقبل ذلك وأكثر أهمية المنظومة الاقتصادية السياسية الاجتماعية التي تحياها الأمم.

على سبيل المثال فإن المجتمعات الزراعية كان الدين يشكل فيها الضامن الأساسي للعقد الاجتماعي والانتماء والهوية والعلاقات السياسية والدولية وكذلك العلاقات الداخلية الاجتماعية والمنظمة لحياة الأفراد والمجتمعات. لم يكن في ذلك فرق بين دين وآخر، ففي كل الحضارات الزراعية التي امتدت آلاف السنين كان الدين هو المركز الأساسي لتنظيمها، وكان رجل الدين فيها هو المعلم والقاضي والطبيب والمرشد الزراعي، وفي كثير من الأحيان القائد السياسي والاجتماعي، ولكن الأمم بدأت منذ الثورة الصناعية المرتبطة بتطور العلم والمعرفة والتطبيقات القائمة عليها تسند تنظيمها إلى المجتمعات نفسها وكما تتجه أو تقرر أغلبيتها (الديمقراطية) وكانت فكرة إسناد العقد الاجتماعي لموقف ورأي أغلبية الناس تبدو فكرة خيالية متطرفة في بيئة استقرت وترسخت على أن تستمد قيمها السياسية والاجتماعيةمن الدين وكما تديرها وتقدمها طبقات من الناس ترى لنفسها ويوافقها الناس في ذلك "حق إلهي" يمكنها من قيادتهم وتوريت هذه القيادة وحصرها في ذريتهم. بل إن قراءة الكتاب المقدس من قبل الطبقات أو الفئات غير الدينية كان جريمة تستحق الإعدام، وكانت الطبقات المهيمنة على القارة الأمريكية تعاقب بالإعدام من يعلّم الأفارقة القراءة والكتابة! وكانت الجمهورية فكرة متطرفة وخيالية وغير متقبلة فضلا عن الانتخاب، وكانت الطبقات التي تدير وتنظم الحالة السياسية والاجتماعية تعتقد أن الأخلاق سوف تنحسر وأن الفوضى سوف تعمّ. لكن الأخلاق بقيت فاعلة وراسخة والأمم والبلاد زادت استقرارا وازدهارا. والدين أيضا لم يتوقف عن النمو والانتشار والتأثير.

لم يكن المجتمع الزراعي متشابها أو مستقرا في قيمه وأفكاره وتنظيمه على مدى القرون، ولذلك فإنه من الظلم أن نعتقد أن تنظيم الأمم ومعتقداتها في الحضارات البابلية والمصرية متطابقة أو تشبه التالية لها مثل اليونانية والفارسية والبيزنطية والرومانية والإسلامية والصينية والهندية.

وبالمناسبة؛ هناك فروق أيديولوجية وثقافية عميقة بين البيزنطيين والرومان حتى وإن كانوا مسيحيين ومتجاورين، وهناك تشابه عميق وكبير بين المسيحيين الشرقيين (الأرثوذكس) وبين العرب والأمم التي استوطنت شرق المتوسط (العراق والشام ومصر) سواء كانوا مسلمين كما هو حال الاغلبية أو غير ذلك من ملل وأديان ومذاهب، ولم تنتشر الهندوسية والبوذية خارج منشئها الجغرافي. وربما تكون بعض الحقائق التاريخية صادمة للناس اليوم بمن فيهم المثقفون، فقد تحالفت ممالك الفرنجة (فرنسا وألمانيا) مع العباسيين في مواجهة البيزنطيين وفي مواجهة المسلمين في الأندلس، ولم ينجو من قسوة الفرنجة (الصليبيين) المسيحيون في الشرق فقد قتلوا في الرها والقدس أكثر من مائة ألف مسيحي، واحتلوا القسطنطينية وأباحوها وأهلها بلا وازع من دين أو أخلاق أو قانون، ومازالت التماثيل المسروقة من المدينة قائمة حتى اليوم في روما وأما التماثيل والأعمال الفنية النحاسية فقد حولوها إلى قدور ودروع وأدوات للعمل والزراعة!

ويمكن أيضا الملاحظة ببداهة كيف أثرت صناعة الورق في القرن التاسع الميلادي في تشكيل الحضارة العربية الإسلامية وفي نشوء وتطور علم الكلام (اللاهوت) الإسلامي. وكيف صاحب ظهور وانتشار المطبعة صعود الانجيلية المسيحية (البروتستنتية) والتي تجتذب اليوم حوالي ألف مليون مسيحي. وكيف ظهرت في عصر الصناعة الحركات الإصلاحية في عالم الإسلام بدءا بجمال الدين الأفغاني وخير الدين التونسي، وكيف صعدت الجماعات الإسلامية السياسية مع نشوء الدولة المركزية الحديثة، وكذلك ظهور السيخ في القارة الهندية والتيرينكو في اليابان والقابالاه في عالم اليهودية، وفي عالم الانجيلية والمسيحية ظهرت جماعات دينية كثيرة مثل الخمسينية وشهود يهوه ومورمون والميثودية.

إن المقصود بالأمثلة هو التشكيك في فكرة ومقولات الأيديولوجيات والقيم والأفكار المستقلة عن التاريخ والبيئة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :