الدبلوماسية في زمن الحرب الهجينة .. حين تتقدّم الفوضى على العقل
السفير د. موفق العجلوني
04-04-2026 10:10 AM
لم يعد الحديث عن الحرب الهجينة ترفًا فكريًا، ولا توصيفًا أكاديميًا قابلًا للأخذ والرد، بل أصبح واقعًا صلبًا يفرض نفسه على شكل النظام الدولي، ويعيد تشكيل قواعد الاشتباك فيه دون إعلان.
ما دعاني للتوقف عند هذا الموضوع الهام " الحرب الهجينة Hyprid Warfare هو وما طرحه اللواء الدكتور موسى العجلوني , حيث لا يُقرأ بوصفه اجتهادًا تحليليًا فحسب، بل بوصفه جرس إنذار متقدّم في وقت لا يحتمل التأجيل أو المجاملة في ما يجري في منطقة الخليج الان .
و بوصفي دبلوماسيًا، ما زلت أتعلم الدبلوماسيةً في مدرسة الدبلوماسيةً التي أرسى دعائمها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ، و هنا لا أستطيع النظر إلى هذا التحول إلا بقلق واعٍ:
نحن أمام عالم لم يعد يعترف بالخطوط الفاصلة بين الحرب والسلم، ولا بين الفعل السياسي والعمل العسكري. عالم تُدار فيه الصراعات عبر الإعلام، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والاختراق السيبراني، بقدر ما تُدار عبر السلاح—بل ربما أكثر.
المشكلة الحقيقية ليست في توصيف هذا الواقع، بل في طريقة التعامل معه. فهناك ميل خطير—ومتصاعد—للاعتقاد بأن امتلاك أدوات الحرب الهجينة يمنح الدول تفوقًا استراتيجيًا مستدامًا. وهذه قراءة قاصرة، بل مضلّلة. لأن هذه الأدوات، في جوهرها، لا تبني استقرارًا، بل تُراكم هشاشة مؤجلة، وتُقوّض الأسس التي يمكن أن تقوم عليها أي تسوية مستقبلية.
هنا تكمن المفارقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
كلما نجحت الدول في إتقان أدوات الحرب الهجينة، أصبحت أقل قدرة على إنهاء الصراعات التي تشعلها. فالتلاعب بالمجتمعات، واختراق الفضاءات السيادية، وتآكل الثقة، كلها عوامل لا تُضعف الخصم فقط، بل تُضعف إمكانية العودة إلى طاولة التفاوض أصلًا.
ما طرحه اللواء العجلوني يتسم بالجراءة و الشجاعةً ، لأنه كسر حالة التردّد في تسمية الأشياء بأسمائها. لكن استكمال هذا الطرح يتطلب الذهاب أبعد: الخطر اليوم ليس في وجود الحرب الهجينة، بل في تطبيعها. في تحوّلها من أداة استثنائية إلى سلوك يومي، يُمارس بلا ضوابط، وبلا مساءلة، وأحيانًا بلا تفكير في العواقب.
الأخطر من ذلك، حين تقع هذه الأدوات في يد قيادات لا تُحسن التقدير، أو تُغلّب المزاج على الحسابات، أو تبحث عن مكاسب سريعة على حساب استقرار طويل الأمد. عندها، لا نكون أمام صراع تقليدي يمكن احتواؤه، بل أمام بيئة دولية قابلة للاشتعال في أي لحظة، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الاندفاع، والقوة مع غياب الحكمة.
وهنا تحديدًا، يجب أن تُقال الحقيقة التي يتجنبها كثيرون: لا يمكن مواجهة الحرب الهجينة بعقلية عسكرية فقط. هذا وهم خطير. لأن هذه الحروب، بطبيعتها، تتغذى على غياب التوازن، وعلى ضعف البوصلة السياسية. وبالتالي، فإن الرد الحقيقي عليها لا يكون بتوسيع أدواتها، بل بكبحها، وإخضاعها لمنطق سياسي رشيد.
الدبلوماسية هنا ليست خيارًا تجميليًا، ولا أداة تكميلية. إنها خط الدفاع الأخير. بل ربما الوحيد. هي الإطار الذي يعيد ضبط الإيقاع، ويمنع الانزلاق إلى فوضى مفتوحة لا يمكن السيطرة عليها. وكل محاولة لتهميش هذا الدور، أو التعامل معه كترف، هي في الحقيقة مساهمة مباشرة في تعميق الأزمة، لا حلّها.
إن العالم اليوم يقف على حافة مرحلة شديدة الحساسية، حيث لم تعد المشكلة في اندلاع النزاعات، بل في فقدان القدرة على إنهائها. وإذا كانت الحروب الهجينة قد نجحت في كسر الحواجز بين أدوات الصراع، فإن التحدي الحقيقي أمامنا هو إعادة بناء هذه الحواجز—ولو جزئيًا—للحفاظ على ما تبقى من قابلية للحل.
وعليه، فإن الرهان ليس على من يمتلك أدوات أكثر تعقيدًا، بل على من يمتلك قدرة أعلى على ضبط استخدامها. فالتاريخ، بخلاف ما يُروّج، لا يحترم الأقوى دائمًا، بل يحترم الأقدر على منع الانفجار.
في النهاية، لا بد من قول ما قد لا يُقال كثيرًا: ليس كل ما يمكن فعله يجب فعله. وليس كل تفوق مرحلي يُترجم إلى استقرار دائم. وبين نشوة القوة وحكمة التوازن، تسقط دول، وتنجو أخرى.
أما أنا، بصفتي الدبلوماسية و التي اعيشها و امارسها و اؤتمن عليها ، فأنحاز—بوضوح—إلى مدرسة ترى أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُحسم في الميدان، بل تلك التي تمنع الميدان من الاشتعال أصلًا .
اللهم نجنا من الظالمين و من هجينهم فانهم لا يعجزونك .
* المدير العامً - فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً
muwaffaq@ajlouni.me