facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أمريكا تعيد تعريف نفسها .. والأردن أمام لحظة إعادة التموضع الاستراتيجي


د.عبدالله القضاة
04-04-2026 09:26 PM

لم يعد ما يشهده المشهد السياسي داخل الولايات المتحدة مجرد تحولات حزبية عابرة أو تبدلات دورية في الإدارة، بل نحن أمام عملية إعادة تشكيل بنيوية لطبيعة الدولة الأمريكية ودورها العالمي. ومع صعود تيارات “الواقعية الانتقائية” والنزعات المعاملاتية، تدخل السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما في ولاية ترامب الثانية، مرحلة أكثر حدّة، تُعاد فيها صياغة التحالفات وفق معايير "المصالح الصلبة" والعوائد الملموسة، بعيداً عن الالتزامات التاريخية التقليدية أو المظلات الأخلاقية التي سادت لعقود. وقد تجلى ذلك بوضوح في الربع الأول من عام 2026، حيث اتسمت السياسة الأمريكية بـ "الهيمنة الانتقائية"، التي فضلت الاتفاقيات الثنائية على التعددية الدولية، وركزت على الميزان التجاري والوصول للمنتجات الأمريكية .

لم يعد السؤال الاستراتيجي الذي يفرض نفسه اليوم على صانع القرار في منطقتنا ": ماذا تريد واشنطن؟"، بل: "من يملك القدرة على الصمود والتموضع في ظل واشنطن الجديدة؟".

المؤشرات الصادرة عن مراكز الفكر الاستراتيجي حتى نهاية مارس 2026 تشير إلى أن الإدارة الأمريكية ستتبنى سياسة "الانكفاء الاستراتيجي"، وهي سياسة تقوم على تقليص الالتزامات العسكرية المباشرة والانتقال إلى نموذج "توازن القوى عن بُعد". في هذا العالم الجديد، لا تُقاس قيمة الحليف بمدى قدم العلاقة، بل بمدى قدرته على تقديم قيمة مضافة في ملفات الأمن الإقليمي، التكنولوجيا، أو الاقتصاد.

إن الدول التي لا تثبت قيمتها الاستراتيجية في هذه المعادلة الجديدة لا تُهان بالضرورة، بل يتم تجاوزها بهدوء؛ حيث يتقلص دورها من "شريك استراتيجي" إلى "مراقب" في أحسن الأحوال، أو "دافع للثمن" في أسوئها. وقد شهدنا في يناير 2026 محاولات في الكونغرس لتقليص المساعدات العسكرية للأردن، ورغم فشلها، إلا أنها كانت مؤشراً خطيراً على هذا التوجه المعاملاتي الفج. كما أن طرح واشنطن لمسودة لإنهاء الصراع الإقليمي مع إيران في مارس 2026، يشير إلى رغبة في "تجميد" الصراعات للتركيز على الداخل الأمريكي والمنافسة مع القوى الكبرى الأخرى.

وبالنسبة للأردن- والذي هو في قلب عاصفة إقليمية متغيرة - فإن هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل هو اختبار وجودي لهويتنا الاستراتيجية. لقد اعتمدت الدولة الأردنية تاريخياً على موقعها الجغرافي كصمام أمان و"ركيزة استقرار" في منطقة مضطربة. لكن في ظل السياسة الأمريكية الجديدة التي تبحث عن "نتائج ملموسة"، لم يعد الدور التقليدي كافياً لضمان استدامة الدعم أو التأثير السياسي.

نحن أمام سيناريوهين لا ثالث لهما، وقد تزايدت حدتهما في الربع الأول من هذا العام، الأول: سيناريو الانكفاء: حيث يؤدي التراجع الأمريكي الحاد إلى فوضى إقليمية وتنافس غير منضبط بين القوى الإقليمية، مما يضع الأردن تحت ضغوط أمنية واقتصادية هائلة. وقد ظهرت مؤشرات على تورط محتمل لبعض دول المنطقة في مواجهة مباشرة مع إيران بجانب إسرائيل وأمريكا، مما يضع الأردن في عين العاصفة الجغرافية . أما السيناريو الثاني؛ فهو سيناريو الشروط القاسية: استمرار الدعم الأمريكي ولكن بشروط معاملاتية قاسية، تتطلب من الأردن تقديم أدوار أكثر حيوية وتكلفة في ملفات إقليمية معقدة، مع ضغوط أمريكية متزايدة على الحلفاء للاختيار بين واشنطن وبكين في ملفات التكنولوجيا وسلاسل التوريد .

والسؤال هنا : هل من دروس من تجارب دولية ناجحة، تحقق السيادة المرنة في عالم متعدد الأقطاب، يمكن للأردن أن يقتدي بها في التعامل مع مع تقلبات القوى العظمى، لاشك أن هناك نماذج ملهمة يمكن للأردن أن يستلهم منها في عام 2026 وما بعده:؛ مثل: نموذج سنغافورة، التي استطاعت رغم صغر حجمها أن تصبح مركزاً عالمياً لا غنى عنه في التجارة والوساطة الدبلوماسية، مما فرض احترامها على القوى الكبرى كـ “دولة ذكية" تنتج القيمة. "و نموذج فيتنام، التي تبنت سياسة "الاستقلال الاستراتيجي" من خلال تنويع الشراكات الاقتصادية مع الجميع (أمريكا والصين) دون الانحياز المطلق، مما منحها هامش مناورة واسعاً.ومن نماذج المنطقة؛ يمكن الإشارة إلى نموذج قطر/ تركيا: استخدام "القوة الناعمة" والوساطة في النزاعات المعقدة لفرض النفس كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه، وهو ما يتسق مع الحاجة الأردنية لتعزيز دورها كـ “جسر تهدئة” في ظل مسودة السلام الأمريكية المقترحة.

إن المطلوب أردنياً اليوم ليس مجرد التكيف مع العاصفة، بل المبادرة لفرض معادلة جديدة. علينا أن ندرك أن الخطر الحقيقي ليس في تراجع الدور الأمريكي، بل في بقائنا أسرى لنموذج قديم لم يعد قائماً. ولتحقيق ذلك، أقترح المحاور التالية، التي نتأمل أن تكون على رأس أولويات الأجندة الوطنية بدءا من هذا العام:

أولا: تنويع الشراكات الاستراتيجية: الانتقال من الاعتماد المفرط على قطب واحد إلى بناء شبكة تحالفات متعددة الأطراف(شرقاً وغرباً)، بما يضمن للأردن هوامش مناورة أوسع في حال تغيرت الأولويات الأمريكية، ويقلل من تأثير "الاستقطاب الحاد"بين القوى الكبرى.

ثانيا: تحويل التحدي إلى فرصة اقتصادية (اقتصاد الصمود): تعزيز الاقتصاد الوطني من خلال تحويل الأردن إلى مركز إقليمي للطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والأمن السيبراني، وهي مجالات تفرض قيمتنا في أي معادلة دولية قادمة. يجب ربط الأمن القومي بالاستقلال الاقتصادي والاعتماد على الذات، وضرورة إثبات "العائد الاستراتيجي"للمساعدات الأمريكية في ظل توجهات تقشفية في واشنطن.

ثالثا: تحديث الأدوات السياسية (الواقعية الاستباقية): إعادة بناء الدور الأردني كوسيط استراتيجي لا يمكن تجاوزه في قضايا المنطقة، ليس فقط من منطلق “الاستقرار”، بل من منطلق “الحلول المبتكرة” والقدرة على إدارة الأزمات المعقدة. يجب استغلال مسودة السلام الأمريكية لتعزيز دور الأردن كوسيط إقليمي لا غنى عنه في ترتيبات ما بعد الصراع، وعدم انتظار نتائج الانتخابات أو التحولات، بل فرض واقع جديد.

رابعا: رفع كفاءة مؤسسات الدولة (المرونة السيادية): إن القوة الخارجية تبدأ من التماسك الداخلي. تحديث الإدارة العامة ورفع كفاءة المؤسسات هو الضمانة الوحيدة لامتلاك الجرأة في اتخاذ القرارات السيادية. كما أن الحاجة لبناء قدرات سيبرانية وتكنولوجية وطنية لتقليل الارتهان للضغوط الخارجية أصبحت ضرورة ملحة.

في عالم يُعاد تشكيله، الدول التي تنتظر تُستبعَد، أما التي تبادر، فهي من تكتب قواعد اللعبة. إن الأردن، بقيادته الهاشمية وتاريخه العريق، يمتلك كافة المقومات ليكون فاعلاً ذكياً في النظام الدولي الجديد. فالسؤال لم يعد: ماذا سيحدث؟، بل: من يملك الإرادة والجرأة ليكون هو الحدث؟.

* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقاً.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :