facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين الطموح والتحديات .. قراءة نقدية في مشروع قانون التعليم


د. هاشم احمد بلص
06-04-2026 09:36 AM

في خضم سعي الدولة الأردنية إلى تحديث منظومة التعليم بما يتماشى مع متطلبات العصر، برز ما يُعرف بـ"مشروع قانون التعليم وتنمية الموارد البشرية" بوصفه أحد أعمدة الإصلاح المرتبطة بـ رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية، غير أن هذا المشروع، رغم ما يحمله من أهداف طموحة، يثير جملة من التساؤلات الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها إذا ما أُريد له أن يحقق أثراً حقيقياً ومستداماً.

أولى المآخذ على المشروع تتمثل في نزوعه الواضح نحو ربط التعليم بسوق العمل بصورة تكاد تكون اختزالية، وكأن الغاية النهائية من التعليم هي إنتاج موظفين جاهزين فقط، لا مواطنين واعين ومفكرين. إن هذا التوجه، وإن بدا منطقياً في ظل تحديات البطالة، إلا أنه يحمل في طياته خطراً يتمثل في تهميش البعد الإنساني والثقافي للتعليم، وهو بعد لا يقل أهمية عن التأهيل المهني. وعليه، فإن البديل المقترح لا يكون برفض الربط بسوق العمل، بل بإعادة التوازن، من خلال تبني نموذج تعليمي مزدوج يدمج بين المهارات المهنية والعلوم الإنسانية، بحيث يُبنى الطالب فكرياً ومهارياً في آنٍ واحد.

كما يُلاحظ على المشروع أنه يتجه نحو مركزية القرار التعليمي، من خلال منح صلاحيات واسعة لجهات تنظيمية عليا، وهو ما قد يؤدي إلى تهميش دور المؤسسات التعليمية نفسها، سواء كانت مدارس أو جامعات. إن مثل هذا التوجه قد يُفضي إلى بيروقراطية مفرطة تعيق الإبداع والتجديد. ومن هنا، فإن البديل الأنسب يتمثل في اعتماد نهج اللامركزية المرنة، الذي يمنح المؤسسات التعليمية استقلالاً أكاديمياً وإدارياً ضمن إطار رقابي عام، بما يحقق التوازن بين الحوكمة والكفاءة.

ومن زاوية أخرى، فإن المشروع، في سعيه لتعزيز التعليم التقني والمهني، قد يواجه إشكالية مجتمعية متجذرة تتمثل في النظرة الدونية لهذا النوع من التعليم. فالنصوص القانونية وحدها لا تكفي لتغيير ثقافة اجتماعية مترسخة. لذلك، فإن البديل لا يجب أن يقتصر على التوسع في هذا المسار، بل يجب أن يترافق مع سياسات تحفيزية حقيقية، كضمان التشغيل، وتحسين الأجور، وربط التعليم المهني بمسارات تعليمية مرنة تسمح بالانتقال إلى التعليم العالي، بما يعزز جاذبيته ويكسر الحواجز النفسية تجاهه.

غير أن الإشكالية الأعمق التي يغفلها المشروع أو لا يمنحها ما تستحق من معالجة، تتجلى في واقع المعلم نفسه، الذي يُفترض أن يكون محور العملية التعليمية، فإذا به يرزح تحت ضغوط متزايدة في ظل أنظمة الموارد البشرية السارية. فالمعلم في القطاع الحكومي، في كثير من الحالات، يعاني من أعباء وظيفية متراكمة، وتقييمات أداء قد تتسم أحياناً بالشكليّة أو عدم العدالة، إضافة إلى محدودية الحوافز المادية والمعنوية. إن هذا الواقع يجعل من أي حديث عن تطوير المناهج أو تحديث التعليم حديثاً نظرياً ما لم يُقترن بتحسين فعلي لظروف المعلم. وعليه، فإن البديل الحقيقي يتمثل في إعادة صياغة الإطار الناظم لوظيفة المعلم، من خلال نظام مهني خاص يضمن له الاستقرار الوظيفي، والتدرج العادل، والحماية من القرارات التعسفية، مع ربط التقييم بمعايير موضوعية شفافة، وذلك بإشراف جهات مختصة مثل وزارة التربية والتعليم الأردنية، بما يعيد للمعلم مكانته ودوره الريادي.

وإذا انتقلنا إلى التعليم العالي، فإن التحدي لا يقل خطورة، خاصة في الجامعات الخاصة التي تشهد في كثير من الأحيان غياباً ملحوظاً للاستقرار الوظيفي لأعضاء هيئة التدريس. إذ يخضع العديد من الأكاديميين لعقود سنوية قابلة للتجديد، ما يجعلهم في حالة دائمة من القلق المهني، ويؤثر سلباً على استقلاليتهم الأكاديمية وقدرتهم على البحث والإبداع. إن هذه الهشاشة الوظيفية تتعارض مع جوهر الرسالة الجامعية، التي تقوم على الحرية الفكرية والاستقرار المؤسسي. ومن هنا، فإن البديل المقترح يتمثل في وضع إطار قانوني ملزم للجامعات الخاصة، بإشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الأردنية، يضمن حدّاً أدنى من الأمان الوظيفي، كإقرار عقود طويلة الأمد، أو نظام تثبيت تدريجي، وربط إنهاء الخدمة بضوابط قانونية واضحة، بما يحقق التوازن بين مصلحة المؤسسة وحقوق الأكاديمي.

ولا يمكن إغفال أن المشروع، رغم حديثه عن تطوير المناهج، لا يقدم تصوراً واضحاً لكيفية تحقيق ذلك عملياً، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بتأهيل المعلمين والبنية التحتية. فالإصلاح التعليمي الحقيقي لا يبدأ من النصوص، بل من الصف الدراسي. وعليه، فإن البديل المقترح يجب أن يرتكز على برنامج وطني شامل لتأهيل المعلمين، بحيث يتم الاستثمار في المعلم بوصفه حجر الزاوية في أي عملية إصلاح.

أما على صعيد الحوكمة، فإن المشروع يطرح مفاهيم عامة دون أن يحدد بشكل دقيق آليات المساءلة والشفافية، وهو ما قد يفتح الباب أمام تضارب الصلاحيات أو ضعف الرقابة. وفي هذا السياق، فإن البديل يتمثل في تضمين نصوص صريحة تُلزم الجهات المعنية بنشر تقارير دورية، وتخضعها لرقابة مؤسسات مستقلة، بما يعزز الثقة العامة ويضمن حسن التنفيذ.

في المحصلة، لا يمكن إنكار أن مشروع قانون التعليم وتنمية الموارد البشرية يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح من حيث النية والرؤية العامة، إلا أن نجاحه مرهون بقدرته على تجاوز هذه الإشكاليات الجوهرية، وعلى رأسها إنصاف المعلم، وضمان كرامة الأكاديمي، وتحقيق التوازن بين متطلبات السوق ورسالة التعليم. فالإصلاح الحقيقي لا يكون بمجرد إعادة صياغة النصوص، بل بإعادة بناء الإنسان الذي يقف خلفها، معلماً كان أم أستاذاً جامعياً، ليبقى التعليم أداة للنهوض الوطني، لا مجرد وسيلة وظيفية عابرة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :