صكوك عمّان .. بين نُبل الفكرة ومخاطر التطبيق
السفير د. موفق العجلوني
07-04-2026 09:55 AM
استوقفني ملياً حديث عطوفة المهندس عامر البشير نائب امين عمان الأسبق، والمنشور في عمون الغراء هذا الصباح بعنوان " صكوك عمان الإسلامية " ، و التي تتعلق بأمانة العاصمة و خاصة انني انتمي الى هذه المدينة الرائعة و هذا لانتماء هو جزً من الانتماء الشامل لوطننا الغالي و لقيادتنا الحكيمة . اخذني المهندس عامر البشير الى ايام خلت عندما كان والدي رحمه الله محمد العجلوني أبو غازي يشغل مراقب عام صحة امانة العاصمة لمدة ٣٥ عاماً وكانت امانة العاصمة منطقة واحدة تضم بين جنباتها فندق فيلادلفيا والذي ازيل لأسباب أجهلها، وكان يمثل جزاً من تاريخ العاصمة عمان.
قد يتبادر للبعض عند سماع " صكوك عمّان " شيء من الذاكرة التاريخية المرتبطة بـ " صكوك الغفران "، تلك الوثائق التي ظهرت في أوروبا في العصور الوسطى، حين كانت تُمنح وفق تصور ديني آنذاك لتخفيف العقوبات عن الخطايا، وغالبًا مقابل تبرعات للكنيسة، خصوصًا لتمويل مشاريع كبرى مثل بناء كاتدرائية القديس بطرس.
وبطبيعة الحال، المقارنة هنا ، الشىئ بالشئ يذكر ، لا أكثر، فصكوك الغفران كانت محاولة "لشراء الراحة الروحية "، بينما صكوك عمّان ... إن أُحسن استخدامها ... هي محاولة لشراء مستقبل اقتصادي أفضل. لكن يكمن هنا السؤال: هل نستخدم الصكوك اليوم لتحرير المدن من أعباء الدين… أم فقط لمنح هذا الدين " غفرانًا ماليًا " باسمٍ أكثر أناقة ... !!!
في لحظةٍ تبحث فيها المدن عن أدواتٍ ذكية للخروج من ضيق المديونية إلى رحابة الاستثمار، تبرز الصكوك الإسلامية بوصفها خيارًا يبدو في ظاهره أكثر عدالةً وانضباطًا. غير أن الحقيقة الأعمق لا تكمن في الأداة ذاتها، بل في العقل الذي يديرها، وفي الفلسفة التي تُبنى عليها.
حديث المهندس عامر البشير لا يمكن قراءته كنقدٍ تقليدي لإصدار صكوك عمّان، بل هو في جوهره جرس إنذار مبكر، يضع الإصبع على منطقة حساسة طالما تم تجاهلها: الفجوة بين الشكل والمضمون. فالصكوك، كما هو معلوم، ليست مجرد بديل " إسلامي " للقروض، بل هي منظومة متكاملة تقوم على ربط المال بأصلٍ منتج، وعلى تحويل التمويل من عبءٍ إلى شراكة. لكن هذا التحول لا يحدث بقرار إداري، ولا بإصدار مالي، بل بثقافة مؤسسية جديدة بالكامل.
ما يُحذّر منه المهندس البشير ليس الصكوك بحد ذاتها، بل خطر أن تتحول إلى نسخة أكثر أناقة من الدين التقليدي؛ دينٌ يحمل اسمًا مختلفًا، لكنه يفتقد الجوهر ذاته. وفي هذا التحذير قدرٌ كبير من الواقعية، خاصة في بيئاتٍ اعتادت إعادة تسمية الأدوات بدل إعادة بناء المفاهيم. فحين تُفرغ الصكوك من محتواها الحقيقي، لا نخسر فقط كفاءة مالية، بل نخسر صدقية الفكرة نفسها.
لكن ما يُحسب لحديث المهندس البشير أيضًا، هو نقله النقاش من حيز الأرقام إلى حيز الإدارة. فالصكوك لا تنجح في الأسواق، بل في الميدان؛ في طريقة إدارة الأصول التي تقوم عليها. الأصل ليس مجرد ضمانة، بل هو قلب العملية بأكملها. وإذا بقيت الإدارة أسيرة البيروقراطية، أو التردد، أو ضعف الكفاءة، فإن أي هيكل تمويلي ... مهما بدا متقنًا ... سيتحول إلى غطاءٍ هش لواقعٍ لا ينتج.
غير أن التحذير الأهم، وربما الأكثر حساسية، يتعلق بتداخل الاقتصاد بالسياسة. فالمشاريع التي تُبنى عليها الصكوك يجب أن تُختار وفق جدواها، لا وفق قابليتها للتسويق أو الإرضاء. وأي انحراف في هذا المسار كفيل بتحويل الصكوك من أداة إنتاج إلى وسيلة توزيع، ومن فرصة إصلاح إلى عبءٍ مؤجل.
ومع ذلك، فإن القراءة المنصفة تقتضي القول إن وجهة النظر على عمقها تميل إلى تغليب هاجس الخطر على مساحة الفرصة. فالصكوك، إذا ما أُحسن تصميمها وإدارتها، قادرة بالفعل على فتح آفاق جديدة أمام التمويل الحضري، وعلى جذب استثمارات نوعية، بل وعلى إعادة تعريف دور المؤسسات العامة من جهاتٍ مُقترِضة إلى جهاتٍ مُنتجة.
إذا كانت صكوك عمّان ستُبنى على أصولٍ حقيقية مدروسة، وتُدار بعقلية احترافية مستقلة، وتخضع لشفافية صارمة، فإنها قد تمثل خطوة متقدمة نحو تخفيف العبء المالي وخلق قيمة مضافة مستدامة. أما إذا جاءت كاستجابة شكلية لضغط مالي، أو كإعادة تدوير لدينٍ قائم، أو كمشروعٍ تُسيّره الاعتبارات غير الاقتصادية، فإنها لن تكون سوى فصلٍ جديد في قصةٍ قديمة.
إن الرهان الحقيقي هنا ليس ماليًا بقدر ما هو مؤسسي. فإصدار الصكوك ليس اختبارًا لقدرة المدينة على الاقتراض، بل لقدرتها على التفكير والإدارة والإنتاج. وهذا اختبار لا تُخفي نتائجه اللغة، ولا تُجمّله المسميات.
في النهاية، قد تكون صكوك عمّان فرصةً نادرة… لكنها، في الوقت ذاته، مرآة قاسية. إما أن تعكس تحولًا حقيقيًا في طريقة إدارة المال العام، أو تكشف ... بوضوح لا يحتمل التأويل ... أننا ما زلنا نُجيد تغيير الأسماء… أكثر من تغيير الواقع .
" ربي لا نسألك رد القضاء و لكن نسألك اللطف فيه " .
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me