بين كورش وخامنئي .. إيران بين استعادة مجد الماضي وتحدّيات الحاضر
د. عبدالحفيظ العجلوني
07-04-2026 12:58 PM
لم يكن الحضور الإيراني في التاريخ حضورًا عابرًا، بل امتدّ لقرون طويلة صعودًا وهبوطًا، متأرجحًا بين ذروة الإمبراطوريات وانكسارات الغزو والتفكّك. فمنذ عهد كورش الكبير الذي أسّس أول إمبراطورية مترامية الأطراف، مرورًا بالبارثيّين والساسانيّين، وصولًا إلى التحوّلات الكبرى بعد الفتح الإسلامي، ظلّ العامل الفارسي حاضرًا، يعيد تشكيل نفسه ضمن أطر جديدة: سياسية تارة، وثقافية أو دينية تارة أخرى.
هذا النمط التاريخي -القائم على التراجع ثمّ إعادة التموضع- يُعدّ مفتاحًا لفهم إيران المعاصرة، خصوصًا منذ الثورة الإسلامية عام 1979 بقيادة الخميني. فقد مثّلت تلك الثورة نقطة تحوّل مفصلية، أنهت نموذج الدولة القومية ذات الطابع الغربي في عهد الشاه، وفتحت الباب أمام مشروع أيديولوجي عابر للحدود، يستند إلى الدين كإطار تعبوي، غير أنه، في جوهره، يحمل ملامح استعادة دور إقليمي واسع، يستحضر الإرث الفارسي بصيغة جديدة.
منذ ذلك الحين، بدت السياسة الإيرانية وكأنّها تسير في اتجاه مزدوج: خطاب معلن يقوم على نصرة المستضعفين ودعم قضايا التحرّر، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية في سياق الصراع مع إسرائيل؛ في مقابل مسار عملي يتجلّى في بناء شبكات نفوذ إقليمية، عبر دعم قوى وحركات تدين لها بالولاء، خصوصًا في البيئات العربية التي تشهد هشاشة سياسية أو انقسامات داخلية.
وتعزّز هذا المسار بعد غزو العراق عام 2003، حيث أتاح انهيار الدولة المركزية هناك فرصة استراتيجية غير مسبوقة لتوسيع النفوذ الإيراني، تبعها حضور متزايد في ساحات أخرى كسوريا ولبنان واليمن، ولا سيّما بعد تداعيات الربيع العربي عام 2011 وما أفرزه من فراغات في بنية بعض الدول العربية.
غير أنّ الإشكالية لا تكمن في مبدأ السعي إلى النفوذ -فذلك سلوك مألوف في العلاقات الدولية- بل في طبيعة الأدوات والذرائع المستخدمة. إذ يُطرح تساؤل مشروع حول مدى اتّساق الخطاب الإيراني الأيديولوجي مع الممارسة الواقعية: هل كان الدعم المعلن لقضايا التحرّر انعكاسًا لموقف مبدئي ثابت، أم أداةً لتوسيع مجال النفوذ؟ وهل جاء الاصطفاف في بعض النزاعات إلى جانب أنظمة أو قوى بعينها استنادًا إلى معايير العدالة، أم إلى اعتبارات مذهبية وسياسية ضيّقة؟
لقد أظهر الواقع، في أكثر من ساحة، أنّ التدخّل الإيراني لم يكن دائمًا في صفّ الشعوب الساعية إلى التغيير، بل جاء -في حالات معيّنة- داعمًا لقوى تسعى إلى تثبيت الأمر الواقع بما يتّسق مع مصالح طهران الإقليمية، حتى وإن تعارض ذلك مع مطالب قطاعات واسعة من تلك الشعوب في الحرية والكرامة.
في هذا السياق، يمكن قراءة المشروع الإيراني بعد الثورة بوصفه محاولةً لإعادة إنتاج دور تاريخي، يستلهم المجد الفارسي القديم، لكن بغطاء ديني يمنحه شرعية عابرة للحدود. وهو مشروع حقّق بالفعل قدرًا من التمدّد، إلا أنه في المقابل حمّل إيران أعباءً كبيرة: عقوبات اقتصادية، عزلة دولية نسبية، توتّرات مستمرّة مع الجوار، واحتقانات داخلية ظهرت بوضوح في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.
من هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل يخدم هذا المسار مصلحة إيران وشعبها على المدى البعيد؟
إنّ التاريخ الذي يُظهر قدرة الدول على النهوض بعد كلّ تراجع، يقدّم أيضًا درسًا مهمًا مفاده أنّ الاستقرار الداخلي للدول والتنمية المستدامة لمقدّراتها هما دائمًا أساس أي صعود حقيقي. وعليه، فإنّ إعادة توجيه البوصلة نحو الداخل الإيراني في مجالات الاقتصاد والتعليم وتحسين مستوى المعيشة هو الخيار الأكثر حكمة.
كما أنّ بناء علاقة متوازنة مع الجوار العربي وغير العربي، قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية، من شأنه أن يفتح آفاقًا أوسع للتعاون والاستقرار، لإيران ولعموم المنطقة، بدل استنزاف الموارد والجهود في صراعات مفتوحة لا تُفضي إلا إلى المزيد من الدمار. فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، لكن يمكن إعادة تعريفها -وفق مآلات المصالح المشتركة- من ساحة تنافس إلى مجال شراكة.
في المحصّلة، ليست الدعوة هنا إلى أن تتخلّى إيران عن دورها الإقليمي، بل إلى إعادة تعريف هذا الدور: من مشروع نفوذ قائم على الأيديولوجيا والتجاذب والهيمنة، إلى مشروع تعاون يقوم على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة لعموم المنطقة. فذلك وحده كفيل بأن يحقّق لإيران ما سعت إليه عبر تاريخها الطويل: حضورًا مؤثّرًا ومستقرًا وقويًا، ومتصالحًا مع محيطه.