الأردن… حين تنتصر الهوية الجامعة على الأصول
د. محمود الشغنوبي
07-04-2026 01:38 PM
في بلادٍ أخرى، يبدأ النقاش من الأصل وينتهي عنده، كأن الإنسان شجرة لا تُقاس إلا بجذورها، لا بثمارها. أما هنا، في الأردن، فالأمر مختلف تمامًا… بل مقلوب رأسًا على عقب. هنا، يمكنك أن تكون شركسيًا، بدويًا، شاميًا، أو أردنيًا من أصل فلسطيني… ثم تكتشف فجأة أن كل هذه التعريفات، على صخبها، تقف جانبًا عندما يدخل الوطن إلى الجملة.
حين أكد الأمير الحسين، ولي العهد الأردني، أن لا عيب في الأصل، بل العيب في غياب حب البلد، لم يكن يطلق عبارة للاستهلاك، بل كان يضع إصبعه على عقدةٍ نجح الأردن، على غير عادة المنطقة، في تفكيكها بهدوء. لأن المشكلة في الإقليم ليست في تعدد الهويات… بل في تحويلها إلى خنادق.
الأردن لم يكن يومًا بلدًا نقيّ العرق، ولا حاول أن يكون. لم يرفع شعار "من ليس منا فليس لنا"، ولم يحتج إلى ذلك أصلًا. كان يعرف، بحكمةٍ قديمة، أن النقاء وهم، وأن القوة في القدرة على الاحتواء… لا في الإقصاء. لذلك، لم يتحول الشركسي إلى "ضيف دائم"، ولا الفلسطيني إلى "سؤال مؤجل"، ولا البدوي إلى "أصل يحتكر الشرعية". الجميع، ببساطة، ذابوا في معادلة أكثر تعقيدًا وأبسط في الوقت ذاته: أن تكون أردنيًا.
في السياسة، لم يكن الأردن الأكثر ضجيجًا، لكنه غالبًا كان الأكثر بقاءً. في لحظات كانت فيها دول الجوار تراهن على شعارات كبرى — الوحدة، الثورة، المقاومة بلا حساب — كان الأردن يختار شيئًا أصعب: أن يظل قائمًا. لم يدخل مزادات الدم والهوية التي أكلت دولًا كاملة، وعرف أن الاعتدال، رغم ملله الظاهري، هو أكثر الخيارات جرأة في منطقة مدمنة على المغامرات الخاسرة.
أما في الشارع، فالقصة أكثر صدقًا من كل الخطابات. لا أحد يسأل زميله في العمل عن جذوره قبل أن يسأله عن راتبه، ولا تفكر الطالبة في الجامعة إن كانت زميلتها "أصلًا" قبل أن تكون صديقة. الحياة هنا سبقت التنظير، وربما لهذا نجحت.
ومع كل هذا، لم يكن الطريق مفروشًا بالورود. الأردن تحمّل ما لا تتحمله دول أكبر منه بكثير. فتح أبوابه لموجات متعاقبة من اللاجئين (فلسطينيين، عراقيين، سوريين)
ووسّع طاقته قبل أن يحسب حدوده، وتقاسم لقمةً كانت أصلًا قليلة. لم يفعل ذلك لأنه غني… بل لأنه يعرف جيدًا ماذا يعني أن تضيق الأرض بأهلها.
لهذا، تبدو عبارة ولي العهد مختلفة عن خطاب المناسبات. ليست مثالية، ولا حالمة، بل واقعية إلى حد القسوة: لا مشكلة في أن تختلف، المشكلة في أن تتخذ اختلافك ذريعةً لتكره. هنا فقط، يسقط الأصل، ويظهر الامتحان الحقيقي.
الأردن، ببساطة، لم يحل معضلة الهوية… بل تجاهلها بذكاء، ومضى ليبني شيئًا آخر: وطنًا لا يسأل كثيرًا من أين أتيت، بقدر ما يراقب ماذا ستفعل الآن.
وهذا، في منطقةٍ تمشي إلى الوراء وهي تتباهى بجذورها… يُعتبر إنجازًا لا يُقال بصوتٍ عالٍ… لكنه يُرى بوضوح.