الحرب بما هي نزعة تدميرية
إبراهيم غرايبة
09-04-2026 11:40 AM
"الدافع وراء الفكرة لا يجعلها صوابا او خطأ . وتحليل الدوافع ليس حجة على الصواب او الخطأ". أريك فروم
يوضح عالم النفس إريك فروم (1900 – 1980) في كتابه "تشريح التدميرية البشرية" طبيعة العاطفة "النكروفيلية" التدميرية، والظروف الاجتماعية التي من شأنها أن تغذيها، وستكون النتيجة كما يقول أن المساعدة في مواجهة هذه الأزمة لا يمكن أن يتأتي إلا من خلال التغيرات الجذرية في بنيتنا الاجتماعية والسياسية التي ستعيد الإنسان إلى دوره الأسمى في المجتمع، وليس استدعاء "القانون والنظام" ومعاقبة المجرمين، وما يصيب الثوريين من استحواذ فكرة العنف والتدمير يؤشر إلى الجاذبية القوية للنكروفيليا في العالم المعاصر.
إن فهم النزعة التدميرية لدى الإنسان يمكن أن يفيد في فهم العنف والتطرف والإرهاب، وفي تحليل النزاعات الدولية، وسلوك القادة السياسييين، وكيف تؤثر النزعة التدميرية للقادة السياسيين على بناء سلوك سياسي وإداري وسلطوي و"دبلوماسي" قائم على الرغبة في تدمير الآخر، ويضع الظاهرة في سياق سيكولوجي؛ إذ نحتاج كما يقول فروم إلى أن ننشئ الشروط التي تجعل من نمو الإنسان -هذا الكائن الذي لم يبلغ تمامه واكتماله الفريد في الطبيعة- الهدف الاعلى الكل التدابير الاجتماعية، فالحرية الحقيقية والاستقلال وإنهاء كل أشكال السيطرة الاستغلالية هي الشروط اللازمة لتحريك محبة الحياة؛ التي هي القوة الوحيدة التي يمكن أن تهزم محبة الموت.
يقول ج. سي. سمتس: "عندما أنظر إلى التاريخ أكون متشائما، ولكنني عندما أنظر إلى ما قبل التاريخ أكون متفائلا" ويقصد بذلك ما يمكن أن يلحقه الإنسان المعاصر بنفسه وبالطبيعة من دمار وضرر، فالتدمير صاحب التطور الحضاري والتقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي، ما يجعل لعلم النفس مكانة مهمة في استيعاب أزمة الحضارة وترشيدها.
يراوح تفسير السلوك العدواني بين الغريزية والسلوكية؛ أي النظر إلى العدوان باعتباره غريزة إنسانية، أو سلوكا مكتسبا بفعل البيئة المحيطة، وقد نشر كونراد لورنتس Konrad Lorenz وهو باحث في السوك الحيواني كتاب "في العدوان" عام 1966، وقرر لورنتس أن السلوك العدواني للإنسان كما يتجلى في الحروب والجريمة والمشاجرات الشخصية ناتج عن غريزة فطرية مبرمجة، وفي المقابل فإن سكنر يرد الظاهرة الى السلوك الإنساني. يقول فروم: يمكن ببساطة رد العدوان الدفاعي الى سلوك غريزي. لكن هناك نوع خبيث من العدوان أي القسوة والتدميرية، وهو نوع خاص بالبشر وغائب إجمالا عند معظم الحيوانات.
يدرس اريك فروم على أساس التحليل النفسي السوك الإنساني العدواني، والدوافع المنشئة لهذا السلوك، وقد تكون هذه الدوافع شعورية، لكنها في أغلب الأحيان لا شعورية، هي في معظم الوقت متحدة مع بنية طبع مستقرة نسبيا. وحسب فرويد فإن الحياة تحكمها عاطفتان، هما الحب والتدمير، وبذلك أعطى التدميرية البشرية صفة عاطفة إنسانية أساسية.
إن عواطف الإنسان هي محاولة الإنسان أن يجعل للحياة معنى، وأن يخبر أقصى ما يستطيع أو يظن أنه يستطيع أن يحقق من الشدة والقوة في الظروف المعطاة. والحقيقة أن كل العواطف البشرية الخيرة والشريرة على السواء لا يمكن أن تفهم إلا بأنها محاولة شخص لجعل معنى لحياته. وفي لحاق الإنسان بعواطفه ينشئ الخير والشر والجمال والقبح، فالناس ينتحرون لإخفاقهم في تحقيق عواطفهم المتعلقة بالحب والشهرة والانتقام، ولا ينتحرون بسبب الحرمان الجنسي.
لكن ذلك لا يعني أن التدميرية والقسوة ليستا مرذولتين، بل هما مدمرتان للحياة، للجسم والروح، ومدمرتان لا للضحية وحدها بل لمن يقوم بالتدمير أيضا، إنهما تعبران عن انقلاب الحياة ضد ذاتها في المجاهدة لجعل معنى لها.
عبر ف. ت. مارتيني في عام 1909 عن روح النكروفيليا في عمله الأدبي "البيان المستقبلي" حيث يمكن أن يفتتن الإنسان بكل ما هو مضمحل، وغير حي، وتدميري، وميكانيكي، ومثال ذلك شعار "يحيا الموت" الذي كان يطلقه حزب الكتائب الإسباني الفاشي والذي تأسس عام 1934، إن ذلك يهدد بأن يصبح ا لمبدأ السري لمجتمع يشكل فيه قهر الطبيعة بالآلة المعنى الصميميّ للتقدم، حيث يصبح الشخص الحي ملحقا بالآلة.
لقد كان فهم الطبيعة الإنسانية شاغلا للفلاسفة والمفكرين منذ أقدم العصور، أي ما الذي يجعل الإنسان إنسانا، وهكذا عرف الإنسان بأنه كائن عاقل، أو حيوان اجتماعي، أو يستطيع أن يصنع الأدوات، أو يصنع الرموز. ويوحي تاريخ البشرية أن إنسان العصر الحديث مختلف كثيرا عن إنسان الأزمنة السابقة، وتظهر الدراسات الأنثروبولوجية للشعوب تنوعا في العادات التقاليد والقيم والأحاسيس والأفكار إلى حد أن كثيرا من الأنثروبولوجيين قد وصلوا إلى المفهوم الذي مفاده أن الإنسان يولد صحيفة بيضا تكتب عليها كل ثقافة نصها. ومما يشجع أيضا على إنكار الطبيعة الإنسانية الثابتة كيف كان الإنسان يعقل العبودية لدرجة أن فيلسوفا عظيما مثل أرسطو ومثله معظم المفكرين والعلماء حتى القرن الثامن عشر دافعوا عنها، وعلى العموم –يقول فروم- يشير المرء بارتياب إلى "الطبيعة الإنسانية" في قبول حتمية سلوك بشري كالجشع والقتل والغش والكذب،..
وبمنظور آخر يفسر أستاذ العلوم السياسية كينيت ن. والتز (1924 – 2013) كيف تنشأ التوازنات من الوضع الذي تتواجد فيه الدول كلها؛ وليس نتيجة خبث الناس أو الدول، ففي نزعتها المتأصلة إلى التوازن تندلع الحروب للأسباب نفسها التي تدعو إلى التعاون، فالصراع يكمن في طبيعة النشاط الاجتماعي أكثر مما يمكن في طبيعة الناس أو الدول، فالصراع أحد النتائج الجانبية للتنافس والتعاون لأن الدول في سعيها للاعتماد على نفسها تهتم بالوسائل التي تحميها وتحمي مواردها.
هل الحرب مجرد ضغينة جماهيرية وبالتالي يكون تفسير الضغينة هو تفسير للشرور التي يقع الناس فريسة لها في المجتمع؟ يقول تافت: "لقد أظهر التاريخ أنه إذا أعطي الشعب فرصة ليقول كلمته فإنه دون شك سيدلي بصوته ما أمكن لصالح السلام، وقد تبين في كل زمن أن الحكام المستبدين أكثر ميلا للحرب من شعوبهم"
يرى سبينوزا أن الحفاظ على الذات هو الغاية من وراء كل فعل، وعلى هذا الأساس يبنى سبينوزا نموذجا للسلوك العقلاني: الافعال العقلانية هي التي تفضي تلقائيا إلى التناغم في جهود تعاونية من أجل إدامة الحياة، ويفسر الشرور الاجتماعية والسياسية على أساس الصراع بين العقل والعاطفة . ولكن –يقول والتز- لا يمكن للطبيعة البشرية أن تفسر الحرب والسلام؛ برغم أنها تلعب دورا في الحرب والسلام، ويرى أن الاهتمام الزائد بالسبب الجوهري للصراع يفضي إلى الابتعاد عن التحليل الواقعي للسياسة العالمية.
ويوجز والتز مضمون التصور الأولي للسؤال كيف نفكر في الحرب والسلام في أن الشر المتأصل في البشر أو سلوكهم غير اللائق يفضي إلى الحرب، وإن الصلاح الفردي لو أمكن تعميمه وجعله شيئا عالميا فسوف يوصلنا إلى السلام، وفي نظر الكثيرين فإنه من الممكن إصلاح الأفراد إصلاحا كافيا للوصول إلى سلام دائم في العالم. وهنا يسأل والتز: هل يعني أن البشر صالحون أنه ليس هناك مشاكل اجتماعية أو سياسية؟ ولكن ما معنى "صالح"؟ المسألة أن جميع الفلاسفة الذين فكروا في المسألة لاحظوا وجود الصراع، وسألوا عن السبب، وألقوا اللوم على واحدة أو عدد من السمات السلوكية.
لقد شغلت العلوم السلوكية بالظاهرة، ويستعرض والتز كثيرا من هذه النظريات والمحاولات البحثية والفلسفية لفهم الحرب والسلام، وهذه المعرفة العلمية لعلاقاتنا الاجتماعية كما يقول هيلموت كاليس تساعدنا على ايجاد وسائل ثقافية تحقق للبشرية في معيشتها مستوى أفضل.
وفي محاولتهم الطويلة لإحلال العقل محل القوة العسكرية قدم الليبراليون فكرا متراكما عن حدود استخدام القوة المادية المنظمة التي من شأنها ان تنشئ العالم المسالم الذي يرغبون فيه، وهنا فإن التنظيم الاقتصادي هو المفتاح وليس التنظيم السياسي، وعلى اي حال فإنه برأي والتز لا يمكن تعميم نمط معين من أنماط الدولة والمجتمع لبلوغ السلام العالمي، فالعلاقات الدولية تصنعها تصرفات الرجال الذين يمثلون الدول، وهؤلاء تصنعهم مجتمعاتهم، ولكن البيئة السياسية الدولية لها تأثير كبير على طرائق سلوك الدول.
وفي ملاحظة التفكير الانساني في مشكلات السياسة يجد والتز فكرتين متناقضتان حول العلاقة بين بنية الدول وانواع الحروب التي تشنها؛ البنية السياسية للدولة تتأثر إلى حد بعيد بتنظيمها العسكري، وهو ما تفرضة عوامل خارجة عن السياسية كالموقع الجغرافي، وفي المقابل فإن البنية السياسية الداخلية من شأنها أن تفرض تنظيم واستخدام القوة العسكرية.
وبوجود كثير من الدول ذات السيادة -يلاحظ والتز- وبغياب نظام قانوني واجب النفاذ بين تلك الدول وبقيام كل دولة بالفصل في مظالمها وطموحاتها وفق إملاءات منطقها الخاص ومشيئتها فإن الصراع الذي يفضى أحيانا إلى الحرب واقع لا محالة. وهنا يعرض أمثلة من الاقتصاد والسياسة والتاريخ، وفي ذلك فإن نورمان آنجل طرح بثبات وبلاغة ووضوح مقولة أن الحرب غير مربحة، كانت دائما –يقول والتز- دائما أطروحة صحيحة، وقد كان آنجل ذا ميول عقلانية وفردية من طراز القرن التاسع عشر وكان اهتمامه بالأرباح والخسائر النسبية لهذا الشعب أو ذاك أقل من اهتمامه بالحقيقة المفروغ منها ومفادها أن الحرب في أحسن حالاتها تبعد الإنسان عن العمل والذي ينتج ضرورات الحياة وكمالياتها، وفي أسوأ حالاتها تدمر ما كانوا قد انتجوه، وقد تحقق الحرب فعلا إعادة توزيع للمصادر، ولكن العمل هو الذي يوجد الثروة وليس الحرب، ومع ذلك تقع الحروب.
لقد أصبحت مخاطر الحروب والصراعات أكبر وأكثر تدميرا، وصارت تأخذ منحى داخليا أكثر مما هي حروب بين الدول، ويتبعها مشكلات اقتصادية ودولية كبيرة مثل قضايا اللاجئين.
وفي كتابهما "أوقفوا الحرلب" يلاحظ روبرت هندي وجوزيف رتبلات أن الحروب تتنوع في أسبابها، ولا يوجد اتفاق على تعريف مفهوم الحرب إلا أنها عادة ما تسفر عن ضحايا كثيرة و إصابات وخسائر غير عسكرية بنسب عالية جداً ومع إقرارهما بتنوع وتعقد اسباب الحروب فإن العامل الأساسي لقيام الحروب هو توافر الأسلحة التي ما إن يتم حيازتها حتى يجري استخدامها.
إن معظم أسباب الحرب سياسية تقريباً، فكل دولة تعنى بمصالحها الخاصة، ويؤدي تضارب المصالح إلى العنف، كما أن لأداء القادة وشخصياتهم دورا حاسما في الحرب، ومع ذلك فإن احتمال خوض الدول الديمقراطية الحرب ضد بعضها البعض، أقل من احتمال خوض الدول الاستبدادية لها، لكن إمكانيات الخطر تبقى موجودة رغم ذلك.
وقد أسس معهد (ستوكهولم) لأبحاث السلام الدولي عام 1964 في ذكرى مرور (150) سنة من السلام المستمر في البلاد السويدية، واستطاعت الدول الأوروبية بعد قرون من الحروب أن تجعل الحرب العالمية الثانية نهاية للحروب بينها، وقد مر على انتهاء الحرب أكثر من ثمانين سنة، فهل يمكن للعالم أن يُحلّ السلام بدلاً من الحرب في تسوية نزاعاته وعلاقاته كما فعلت أوروبا؟ ثمة إجابة بالطبع وهي أن الحروب التي تدور خارج عالم الغرب تُشعل معظمها الدول الغربية نفسها التي ترفض أن تكون الحرب وسيلة لتسوية الصراعات والخلافات فيما بينها، ولكن يبقى السؤال قائماً وملحاً.
وقد تشعر مجموعات في دولة ما بالاستياء وتعتبر نفسها مغبونة من السلطة، وتلجأ إلى وسائل عنيفة للحصول على ما تعتبره حقوقاً مشروعة لها، وللدول صلاحية مطلقة في التحكم في الشؤون الداخلية ضمن حدودها الخاصة، ولا يسمح بتدخل الأمم المتحدة أو هيئات خارجية أخرى إلا عندما يكون السلام أو الأمن الدوليين مهددين.
وقد تلجأ المجموعات التي تفتقر للموارد وتعتبر نفسها محرومة إلى الإرهاب، إذ العنف يولد العنف، ومن هنا يجب التعرف على حافز أعمال الإرهابيين وتصحيح الظلم الذي يشعر به المظلومون حول العالم.
كما أن الاختلافات الثقافية بين البلدان وداخلها يمكن أن تشكل أسسا للحرب، وكثيرا ما ترافق النزاعات اختلافات عرقية ودينية، فالتمييز بين المجموعات داخل الدولة يؤدي إلى مشاعر الخوف والاعتداء، لكن النزاع غالباً يقوم على أسباب اقتصادية، وتستخدم العرقية والثقافة كأساس للتعبئة السياسية.
وتعتبر الاختلافات الدينية مظهراً من مظاهر العرقية، لكنها تكون أحيانا وقوداً يغذي مؤسسة الحرب، بالإضافة إلى القضايا الأيديولوجية الأخرى، ونزعة الانتقام الطبيعية نتيجة الأضرار الحاصلة.
وهناك احتمال ضعيف أن يؤدي التنافس بين الدول على الأرض إلى حرب كما في الماضي، لكن أسباب النزاع السياسية والاقتصادية "ندرة الموارد الطبيعية" ما زالت مهمة، واحتمال الإفراط في استخدام الموارد والتدهور البيئي سببان في حدوث النزاع، وبخاصة الخلافات على الموارد المائية.
وتلعب العولمة -التي تجعل الأحداث الحاصلة في أجزاء مختلفة من العالم مترابطة تدريجياً مع بعضها البعض أكثر فأكثر- دورا في تأجيج الحروب، حيث إنها تعمق الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة، وبين الفقير والغني داخل الدولة، وحيث يرتبط تفاوت الثروات بالاستياء والنزاع.
ويعد الفقر وتفاوت الثروة من العوامل المؤدية إلى الحرب، ويمكن أن يجعل التدهور الاقتصادي العنف أكثر احتمالاً، عندما تصبح الموارد أكثر ندرة داخل المجتمع.
ولكن يجب ألاّ نقلل من جهود حفظ السلام – كما يؤكد التقرير السنوي للمعهد السويدي للسلام- التي تجري في دول كثيرة حول العالم، وقد اتجهت صراعات عدة إلى الانتهاء مثل تيمور الشرقية، والبلقان وأنغولا، وهناك عمليات إدارة للسلام في حوالي (50) بلداً، وقد ظهرت أيضاً المحكمة الدولية الجنائية إلى الوجود في عام 2002 بعد أن صدّقت عليها ستون دولة، وتُعدّ الولايات المتحدة الأمريكية أقوى خصوم هذه المحكمة، واتخذت خطوات مختلفة لإفشال فعالية المحكمة وحماية مواطنيها من سلطة المحكمة.