facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




السرديَّة: نحو تشكيل الوعي وإعادة تعريف الحقيقة


د. موسى الرحامنة
12-04-2026 08:56 AM

في عالمٍ تتزاحم فيه الروايات، وتتقاطع فيه الحقائق مع التأويلات، لم يعد السؤال الجوهري: ماذا حدث؟ بل كيف يُروى ما حدث؟ وكيف يُعاد تشكيله في وعي الإنسان؟ وكيف تتحول الوقائع ذاتها إلى معانٍ متباينة وفق الأطر التي تُعرض من خلالها؟ هنا تتجاوز “السردية” كونها أسلوبًا محكياً، لتغدو إطارًا معرفيًا ومنهجًا في فهم الواقع، بل أداةً فاعلة في صياغة الإدراك وإعادة ترتيب العالم في الذهن الإنساني، بحيث لا تبقى الحقيقة صيغة جامدة، بل صورةً تتشكل داخل منظومة من المعاني والدلالات.

إن السردية، في جوهرها، ليست مجرد رواية للأحداث، بل هي اختيارٌ واعٍ لما يُذكر، وما يُغفل، وما يُبرز، وما يُؤوَّل؛ فهي لا تملك بالمطلق تغيير الواقع في ذاته، لكنها تغيّر طريقة إدراك هذا الواقع، وهو تغييرٌ لا يقل أثرًا عن تغيير الوقائع نفسها. ومن هنا، فإن الوعي الإنساني لا يتشكل في فراغ، بل عبر الرواية والتكرار والتداول، حتى يغدو ما يُروى أطاراً يُفهم من خلاله العالم، وتُبنى عليه المواقف، وتُستخلص منه العِبَرُ والأحكام.

وتتجلى أهمية السردية في قدرتها على تفسير الواقع، إذ تحوّل الفوضى إلى معنى، وتربط بين الأحداث المتفرقة والمتبعثرة في نسقٍ يمكن إدراكه، كما تسهم في بناء الهوية الجماعية، لأن أي جماعة بشرية لا يمكن لها أن تعي ذاتها إلا من خلال قصةٍ تُخبر بها عن نفسها، وعن ماضيها، وعن موقعها في الحاضر، واتجاهها نحو المستقبل. ومن ثم، تصبح السردية وسيلةً لتحديد ما يُقدَّم بوصفه مركزًا، وما يُهمَّش بوصفه هامشًا، كما تتحول إلى أداة لإدارة الصراعات، إذ إن الصراع في جوهره ليس صراع قوى مادية فحسب، بل هو صراع على المعنى، وعلى الشرعية، وعلى تفسير الأحداث.

وفي هذا الإطار، تبرز السردية الأردنية بوصفها محاولة واعية لصياغة رواية وطنية متماسكة، تنبع من واقع الدولة ودورها وموقعها، وتسعى إلى التعبير عن هويتها السياسية والاجتماعية، في سياق إقليمي شديد التعقيد. فهي سردية تقوم على الاعتدال، وتؤكد على الدور الاستقراري، وتستند إلى هوية جامعة، وتبقى متصلة بالقضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بما تحمله من أبعاد تاريخية وسياسية وإنسانية؛ غير أن هذه السردية لا تُفهم بمعزل عن سياقها، ولا تُختزل في خطابٍ واحد، بل هي مشروع حيّ يتطور ويتفاعل مع التحولات، ويخضع للاختبار المستمر.

وفي خضم هذا التفاعل، تبرز مسألة جوهرية تتعلق بمن يتحدث باسم السردية، ومن يملك حق تشكيلها، وبأي أدوات ومؤهلات؛ فالسردية ليست مجالًا مفتوحًا لكل خطاب، ولا ساحةً تُدار بالعاطفة أو الانفعال، بل هي حقل معرفي يتطلب تأهيلًا عميقًا، وفهمًا دقيقًا، وقدرة على التحليل الموضوعي؛ وإن من يتصدر الحديث عن السردية ينبغي أن يجمع بين المعرفة التاريخية، والوعي السياسي، والمنهج العلمي، والقدرة على قراءة السياقات، والتعامل مع التعقيدات، لا الاكتفاء بالشعارات أو التبسيط المخل؛ فخطورة السردية لا تكمن في مضمونها وكفى، بل في من يقدّمها، وبأي مستوى من الفهم والعمق.

ولذلك، فإن السردية الرصينة هي تلك التي تنبع من مؤسسات معرفية، أو من عقولٍ تمتلك أدوات التحليل، وتدرك مسؤولية الكلمة، وتلتزم بالمعايير العلمية في عرض الفكرة؛ أما السرديات التي تُبنى على الارتجال أو على الحضور الإعلامي المجرد من العمق، فإنها سرعان ما تفقد قدرتها على الإقناع، لأنها تعجز عن مجاراة تعقيدات الواقع، وتقديم تفسير متماسك له.

إن السردية المقنعة لا تُفرض بالقوة، بل تلك التي يمكن صياغتها من خلال ثلاثية دقيقة: صدق في المعلومة، واتساق في الطرح، وقوة في الحجة؛ فهي تستند إلى الوقائع، دون انتقائية، وتعرض الجوانب المختلفة للحدث، دون إخلال، وتخاطب العقل قبل العاطفة، وتحترم وعي المتلقي، فلا تسعى إلى إقناعه بالإيحاء، بل بالحجة؛ ولا تخشى النقد، بل تتسع له، ولا تنغلق على ذاتها، بل تنفتح على الأسئلة، لأنها تدرك أن الحقيقة لا تزداد إلا رسوخًا حين تخضع للفحص والمراجعة.

أما السرديات التي تنحرف عن هذا المسار، فإنها تتحول إلى أدوات تضليل، تُعيد تشكيل الواقع بعيدًا عن حقيقته، عبر تضخيم بعض الجوانب، وإغفال أخرى، أو عبر استخدام خطاب إنشائي يعوض ضعف الحجة. وهنا تتجلى خطورة الانفصال بين السردية والحقيقة، إذ تصبح السردية حينئذٍ حجابًا يحول دون إدراك الواقع، لا جسرًا يوصل إليه.

إن الحاجة إلى السردية ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة إنسانية، لأن الإنسان يحتاج إلى معنى يربط به الأحداث، وإلى إطار يفسر من خلاله العالم؛ فبدون السردية، يغدو الإنسان أمام كمٍّ هائل من الوقائع المبعثرة، غير قادر على الربط بينها، أو استخلاص دلالاتها. ومن هنا، فإن السردية تمنح العالم قابلية للفهم، وتمنع الوعي من التشتت، وتعيد ترتيب الفوضى في صورةٍ مفهومة، تجعل الإنسان أكثر قدرة على اتخاذ موقف، وأكثر وعيًا بموقعه في هذا العالم.

وفي نهاية المطاف، تبقى السردية، بما تحمله من قوة، مسؤولية قبل أن تكون أداة، وميزانًا قبل أن تكون خطابًا؛ فالسردية التي تنصف الحقيقة تُنير الوعي، وتبني الفهم، وتقوّي الانتماء، أما السردية التي تنحرف عنها، فإنها تُضلل الإدراك، وتشوّه المعنى، وتعيد تشكيل الوعي على نحوٍ يبتعد عن الواقع. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لأي سردية لا تكمن في بلاغتها فحسب، بل في صدقها، واتساقها، وقدرتها على أن تقول الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون، وأن تبقى في موقعها الصحيح: طريقًا إلى الحقيقة، لا بديلاً عنها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :