facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هندسة الوفد الإيراني .. حين تتحول الطاولة إلى ساحة عرض قوة ومخاطرة


صالح الشرّاب العبادي
12-04-2026 09:08 AM

في لحظات التفاوض الكبرى، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من أوراق، بل بكيفية عرض هذه الأوراق. وفي مفاوضات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز الحدث الأهم في جدول الأعمال الضخم والمعقّد الذي سيتم التفاوض عليه، وعلى رأسه مضيق هرمز واليورانيوم ولبنان . ومع ذلك، يظل هناك عامل لا يقل أهمية: هندسة الوفد الإيراني نفسه؛ ذلك الوفد الضخم والمتنوع الذي يتجاوز الثمانين شخصية، والذي بدا أقرب إلى “نموذج مصغّر للدولة” منه إلى فريق تفاوض تقليدي. هذا الحضور الكثيف ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة استراتيجية متعددة الطبقات، تحمل في طياتها قوة واضحة… ومخاطرة لا تقل وضوحاً.

حين ترسل إيران وفداً يضم سياسيين وعسكريين وخبراء وتقنيين ونوويين واقتصاديين وماليين، فهي لا تفاوض فقط، بل تقول للعالم إن الدولة ما زالت متماسكة، وإن مراكز القرار فيها لم تُكسر رغم الضربات والاغتيالات ، هذه “الهندسة البشرية” للوفد تعكس فلسفة واضحة تقوم على أن القرار ليس فردياً، بل مؤسسي متعدد المستويات، وقابل للاستمرار والاستبدال. بمعنى آخر، لا تدخل إيران التفاوض باعتبارها دولة تحت الضغط، بل كمنظومة قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج نفسها.

تنوع الوفد يمنح المفاوض الإيراني ميزة مهمة تتمثل في القدرة على اتخاذ القرار داخل الغرفة دون انتظار تعليمات بعيدة، لكنه في المقابل يحمل رسالة ضمنية أكثر جرأة، مفادها أن كل أدوات القوة – من السياسة إلى الصواريخ، ومن البرنامج النووي إلى الاقتصاد – حاضرة على الطاولة ، وهنا يتحول التفاوض من نقاش دبلوماسي إلى مواجهة إرادات مغلّفة بلغة سياسية، حيث لا تُطرح الملفات فقط، بل تُستعرض عناصر القوة بشكل مباشر وغير مباشر.

غير أن كِبَر حجم الوفد يضخّم رمزيته، ويُضاعف معه حجم المخاطرة. فوجود هذا العدد من القيادات المتنوعة ورفيعة المستوى في مكان واحد يخلق ما يمكن تسميته “نقطة تركيز استراتيجية”. وحتى لو كان استهدافها غير مرجّح في ظل الحسابات الدولية، فإنه ليس مستبعداً تماماً في سياق تاريخ من الاغتيالات التي ارتبطت بأدوار استخبارية معقدة تقودها أطراف مثل إسرائيل وبدعم أو تغطية من امريكا ، إن مجرد التفكير بهذا الاحتمال، أو التلويح به، يكفي لرفع مستوى التوتر إلى حدوده القصوى. والأخطر أن أي خلل أمني – مهما كان محدوداً – قد يتحول إلى أزمة دولية، وربما إلى شرارة مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود التفاوض.

الوفد الكبير لا يرفع فقط من سقف القوة، بل يرفع أيضاً من سقف التوقعات، فعندما تأتي بكل هذا الثقل، فأنت تعلن أنك مستعد لإنجاز كبير أو لمواجهة كبيرة، ولا تقبل بأقل مما يتناسب مع حجم الصبر والتحمل الذي أوصلك إلى هذه اللحظة التفاوضية مع أكبر قوة عالمية ( امريكا ) ومع اعلى وفد تفاوضي رسمي برئاسة نائب ترامب الرئيس الأمريكي ، أما الفشل، فلا يعود مجرد تعثر تفاوضي، بل يتحول إلى إخفاق سياسي مدوٍ. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: حيث يصبح التراجع مكلفاً، والتنازل صعباً، والتصلب خياراً أقرب، وهو ما يدفع المفاوضات في كثير من الأحيان من مسار الحل إلى حافة التصعيد، وربما العودة إلى الحرب، التي تلوّح بها إسرائيل في حال فشل المسار التفاوضي.

وإذا فشلت هذه المفاوضات، فإن تداعياتها لن تتوقف عند حدود الطاولة، بل ستمتد إلى الإقليم بأكمله. لكن الخطأ في القراءة يكمن في توقع صدمة مباشرة من نوع استهداف الوفد أو اعتقاله، فهذه سيناريوهات عالية الكلفة وغير مرجّحة في ظل توازنات القوى الحالية. السيناريو الأكثر واقعية – وهو الأخطر على المدى البعيد – يتمثل في تصعيد غير مباشر في ساحات النفوذ، وتوسيع الضغوط الاقتصادية، وإعادة تنشيط أدوات الاستنزاف الإقليمي. بمعنى أدق، الانتقال من التفاوض إلى حرب طويلة ومتعددة الأدوات، قد تصل إلى عمليات محدودة أو اقتحامات موضعية كانت قد توقفت عند حافة التنفيذ، لكنها تبقى عالية الكلفة لكلا الطرفين.

إن هندسة الوفد الإيراني ليست تفصيلاً شكلياً، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تقوم على إظهار التماسك، ورفع سقف الردع، وإدارة الصراع من موقع قوة. لكن هذه القوة تحمل في داخلها مفارقة حادة: فكلما بدا المشهد أكثر تماسكاً، ارتفعت كلفة الانكسار ، وهنا يقف التفاوض على حدٍّ دقيق بين أن يكون منصة لإعادة التوازن، أو أن يتحول إلى مقدمة لمرحلة أكثر قسوة في الصراع الإقليمي ، وفي هذا التوازن الهش، لا يكون السؤال: هل تنجح المفاوضات؟ بل ما هو الثمن الحقيقي لفشلها؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :