نحو استراتيجية وطنية للتعهيد العالمي (Outsourcing)
عماد الشهاب
12-04-2026 09:12 AM
كلما ارتفعت أرقام البطالة في الأردن ، ارتفعت معها نبرة القلق، وتكررت الأسئلة ذاتها: أين الوظائف؟ ماذا فعلت الحكومة؟ ولماذا لا يستوعب السوق هذا العدد من الخريجين؟، لكن خلف هذه الأسئلة، هناك فرضية غير مرئية تحكم النقاش كله: أن اغلب الوظائف يجب أن تكون داخل الأردن، وهذه الفرضية لم تعد صحيحة.
وفي منطقة الشرق الأوسط، لا تُبنى الاقتصادات في بيئة مستقرة، الحروب، التوترات السياسية، تقلبات الطاقة، وتراجع الاستثمارات، كلها عوامل تجعل النمو هشًا وقابلًا للانكسار في أي لحظة، في مثل هذه البيئة، تصبح الحاجة ملحة لنموذج اقتصادي أقل تعرضًا للصدمات، وهنا تبرز أهمية اقتصاد التعهيد(Outsourcing) ، فهو اقتصاد لا يعتمد على الجغرافيا، لا يحتاج موارد طبيعية، لا يتأثر بإغلاق الحدود، ويمكنه العمل حتى في أكثر البيئات اضطرابًا.
لهذا، بدأت دول في المنطقة مثل الإمارات ومصر والمغرب بالاستثمار المكثف في هذا القطاع، ليس فقط كفرصة اقتصادية، بل كخيار استراتيجي للتحوّط من الأزمات.
وبالنسبة للأردن، الذي يعاني من محدودية الموارد الطبيعية، ويواجه ضغوطًا اقتصادية متكررة، فإن التعهيد يمثل أحد المسارات القليلة التي تجمع بين الواقعية والجدوى.
العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر معه، فلم تعد الوظيفة مرتبطة بالمكان او الجغرافيا، فما يهم اليوم هو المهارة، والقدرة على الإنجاز، والالتزام بالجودة أما الجغرافيا، فقد تراجعت إلى الخلف. ومن هذا التحول وُلد اقتصاد كامل يُعرف باقتصاد التعهيد (Outsourcing)، حيث تُشترى الخدمات من أي مكان في العالم، وتُدار فرق العمل عبر الشاشات لا عبر المكاتب.
حيث يُقدَّر حجم سوق التعهيد (Outsourcing) عالميًا بأكثر من 3.8 تريليون دولار في عام 2024، مع توقعات بتجاوزه 7 تريليونات دولار بحلول 2030 مدفوعًا بالتحول الرقمي ونماذج العمل عن بُعد. وتشمل أهم أسواقه خدمات تكنولوجيا المعلومات (ITO)، وخدمات الأعمال (BPO)، والخدمات المعرفية المتقدمة (KPO) مثل التحليل والاستشارات. أما خدمات التعهيد للأعمال (BPO)، فتُقدّر وحدها بنحو 525 مليار دولار خلال السنوات القادمة، هذه الأرقام لا تمثل قطاعًا هامشيًا، بل واحدة من أكبر التحولات الاقتصادية في العصر الحديث.وتُعد الولايات المتحدة وأوروبا أكبر مصادر الطلب، بينما تتصدر الهند، الفلبين، وأوروبا الشرقية كمراكز رئيسية لتقديم هذه الخدمات عالميًا.
من ذلك نجد ان السؤال لم يعد: أين تعمل؟ او اين تتواجد؟ بل: ماذا تستطيع أن تقدّم؟، وبينما ما زلنا في الأردن نناقش الوظيفة كفرصة محلية، أصبح العالم يعيد تعريفها كمنتج قابل للتصدير.
في هذا السياق، تبدو مفارقة الأردن واضحة: بلد يملك طاقات بشرية شابة، متعلمة، ومتصلة رقميًا… لكنه يعاني من بطالة مزمنة، وهنا نجد أن المشكلة، في جوهرها، ليست في نقص الفرص، بل في طريقة الوصول إليها.
إن اقتصاد التعهيد، بكل مكوناته يقوم على فكرة أن القيمة تُخلق حيث توجد المهارة، لا حيث يوجد المكتب، والأردن، بموارده البشرية، يمتلك مدخلًا طبيعيًا لهذا الاقتصاد، لكن هذا المدخل ما زال غير مستثمر.
إن من يتابع السوق المحلي يلاحظ ظاهرة لافتة وهي إن عدد متزايد من الشباب الأردنيين يعملون بشكل مستقل مع شركات خارجية، عبر منصات العمل الحر أو عبر شبكات شخصية، بعضهم يحقق دخلًا يفوق بكثير ما يمكن أن يوفره السوق المحلي، لكن هذه القصص تبقى فردية، لأن ما يحدث هو “تصدير عشوائي للمهارات”، وليس “اقتصاد تعهيد منظم”.
في غياب إطار وطني واضح، تظل العلاقة بين الكفاءات الأردنية والسوق العالمي ضعيفة، غير مستقرة، ومبنية على الجهد الفردي، فالشركات العالمية لا تبحث فقط عن أفراد موهوبين، بل عن بيئات موثوقة وأنظمة تضمن الجودة، والالتزام، والاستمرارية، وهنا تحديدًا، يقف الأردن في منتصف الطريق: يمتلك المهارة… لكنه يفتقر إلى استراتيجية او منصة تنافس وتستحوذ على حصة في هذا السوق.
التعامل مع التعهيد كحل يتطلب تغييرًا في زاوية النظر، لا يكفي دعم العمل الحر، ولا إطلاق منصات تدريب جديدة، المطلوب هو بناء قطاع له قواعد واضحة، ومعايير، ونموذج عمل مستدام، وهذا القطاع يبدأ من أربع ركائز: العرض المؤهل، الثقة، الوصول للسوق، نموذج التشغيل.
الحل لا يكمن في مبادرات متفرقة، بل في تبنّي استراتيجية وطنية شاملة لاقتصاد التعهيد وتصدير الخدمات، تُدار بتكامل مؤسسي واضح بين الجهات المعنية: وزارة العمل لربط المهارات بسوق العمل العالمي، وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة لقيادة البنية الرقمية والتقنية، وزارة الخارجية لتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية وفتح الأسواق، إلى جانب القطاع الخاص وجمعيات الأعمال كشركاء في التنفيذ والتشغيل.
تقوم هذه الاستراتيجية على أهداف محددة: بناء قاعدة وطنية للكفاءات القابلة للتصدير، مواءمة التدريب مع الطلب الدولي، إنشاء منظومة موثوقة لتوثيق المهارات، تطوير قنوات وصول مباشرة للأسواق العالمية، ورفع مساهمة الخدمات المصدّرة في الاقتصاد الوطني. الهدف النهائي ليس فقط خفض البطالة، بل تحويل الأردن إلى مركز إقليمي لتصدير المهارات والخدمات ضمن نموذج اقتصادي أكثر مرونة واستدامة.
كما يمكن بنفس الوقت خلق كيان واضح يقود هذا التحول من خلال شركة وطنية للتعهيد وتصدير الخدمات، شركة لا تنتظر أن تُخلق الوظائف، بل تذهب إلى السوق العالمي لتجلبها، تعمل على جميع الكفاءات الأردنية ضمن منظومة واحدة، على ان لا تكون جهة حكومية تقليدية، ولا شركة خاصة بحتة، بل نموذج شراكة يجمع بين الطرفين وفق معايير الكفاءة والمرونة والموثوقية، الفكرة ببساطة: تحويل المهارة الأردنية من جهد فردي إلى منتج وطني. بحيث يمكن البناء على تجربة جمعية انتاج في هذا الخصوص.
لماذا الآن؟، التحول نحو العمل عن بعد يتسارع، والطلب على المهارات يتزايد، والمنافسة تشتد، كل تأخير يعني فقدان موقع في سوق يتشكل الآن، لا لاحقًا، وفي المقابل، الضغط على سوق العمل المحلي في الأردن يتفاقم، والخيارات التقليدية تزداد ضيقًا، الأهم من ذلك، أن جزءًا من هذا الاقتصاد موجود بالفعل داخل الأردن لكن بدون إطار، ما نحتاجه ليس اختراع شيء جديد، بل تنظيم ما هو قائم، وتوسيعه، وتحويله إلى صناعة.
من ذلك علينا أن نعيد النظر في ثلاث قناعات راسخة: أن الوظيفة يجب أن تكون داخل البلد، أن الحل في جذب الاستثمار، أن التدريب دون سوق يكفي، هذه القناعات كانت منطقية في اقتصاد الأمس، لكنها لم تعد كذلك، فالاقتصاد الجديد يبدأ من الخارج… ثم يُبنى من الداخل.