المسيحية الشرقية: نقاط فوق الحروف
إبراهيم غرايبة
12-04-2026 09:33 AM
"الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)" سورة الروم
1. نشأت المسيحية وتشكلت في القرون الأولى في الشرق (ليفانت) أو البلاد التي صار اسمها بعد الحرب العالمية الأولى تركيا والعراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين وسيناء وشمال الجزيرة العربية أو بادية الشام. وكانت في القرون الثلاثة الأولى تعيش حالة اضطهاد قاسية من قبل الدولة البيزنطية، ثم اكتسحت المسيحية الامبراطورية البيزنطية وصارت هي الديانة الغالبة والرسمية للامبراطورية، لكن وجد المسيحيون أنفسهم قسمين مختلفين: مسيحية شرق شرقية، مركزها في أورفا/ الرها وبصرى الشام ونصيبين والحيرة/ الكوفة وانتشرت أيضا في مصر وإثيوبيا وشمال أفريقيا وإسبانيا. ومسيحية غرب الشرق (المسيحية الملكية) ومركزها في القسطنطينية وانطاكيا والاسكندرية. وبعد صراع داخلي مرير تكرست كنيسة معترف بها في اورفا وبصرى تشمل العرب والسريان، واخرى تشبهها مركزها نصيبين تشمل المسيحيين في الامبراطورية الفارسية وهم أيضا عرب وآشوريون وكلدان. وهم المسيحيون الذين كانوا يسمون تاريخيا اليعاقبة (أورفا وبصرى الشام) نسبة إلى يعقوب البرادعي (500 – 578م) والنساطرة نسبة إلى نسطور (386 – 451م) وانتشرت الآريوسية وهي قريبة من اليعقوبية والنسطورية في شمال أفريقيا نسبة إلى أريوس (256 – 336م) وكان الإسبان "القوط" وقت الفتح العربي (711م) مسيحيين أريوسيين مناهضين دينيا وقوميا للكاثولية الأوروبية.
2. اندمج المسيحيون العرب والسريان في مشروع عربي (يشمل العرب والآراميين والنبط والسريان والآشوريين والكلدان) مناهض وطنيا أو قوميا للبيزنطيين والفرس، وقد تشكل هذا الشعور والتضامن العربي قبل الإسلام، ثم اندمج في المشروع الإسلامي العربي، وكان هذا التحول هو العامل الحاسم في إجلاء الامبراطوريتين الفارسية والبيزنطية من البلاد العربية، وكان عمر بن الخطاب يريد أن تقتصر الامبراطورية الإسلامية على البلاد والشعوب العربية بحدودها التي نعرفها اليوم تقريبا؛ جبال زاغروس من الشروق وجبال طوروس من الشمال، ومصر، ورفض التوسع أكثر من ذلك، وقد وضع ضريبة على المسيحيين مساوية ومكافئة للزكاة المفروضة على الإسلاميين، وتسمى هذه الضريبة في كتب التراث الإسلامي (كتاب الخراج لـ "أبو يوسف" على سبيل المثال) خراج تغلب، وكان عمر يريد بذلك أمة عربية بمختلف أديانها ولغاتها متساوية في الحقوق والواجبات. لكن اغراء القوة والتوسع بعد عمر جعل الدولة الإسلامية تتوسع كثيرا حتى صارت أكبر وأقوى امبراطورية، وكان لهذا التوسع ضريبة كبيرة دفع العرب ثمنها، إذ تحولت الامبراطورية الإسلامية إلى امبراطورية إسلامية فارسية، ثم امبراطوريات إسلامية مختلفة ومتباينة، هندية وفارسية وتركية وعربية في الأندلس وعربية فاطمية. لكن تلاشى التأثير العربي بعامة وغلب الطابع التركي والفارسي على الامبراطورية الإسلامية، وهو طابع عسكري قتالي لم يشغل إلا قليلا بالإنجاز الحضاري والمواكبة العلمية والاقتصادية
3. وقعت الحروب الصليبية عام 1095م – 1292م وكانت ذات تأثير عميق على العرب المسلمين والمسيحيين، فقد انحسر العرب كأمة مؤثرة، وانحسرت كثيرا المسيحية الشرقية (الشرق شرقية) أسلم كثير ممن تبقى منهم أو اندمجوا في المسيحية الـ "غرب شرقية أو الملكية" أو الأرثوذكسية، ثم صارت الأرثوذكسية اليونانية بدءا بالعصر العثماني هي المسيحية الرسمية السائدة في الدولة العثمانية، ومنحت شخصية اعتبارية، وصارت تملك قانونيا باسمها العقارات والأوقاف والكنائس المسيحية. وهذا مكّن الكنيسة من الحفاظ القانوني على الأملاك والأوقاف المسيحية حتى اليوم.
4. اكتسح الشرق العربي بعد الحروب الصليبية وباء الطاعون الذي قضى على نصف الناس، ومن نجا من الحرب قتله الوباء. وتغيرت الخريطة الديموغرافية للمنطقة منذ ذلك الحين، فقد مات معظم الناس أو هاجروا، وسيطر على البلاد الترك المماليك ثم العثمانيون، ودخلت الأمم الشرقية في مرحلة من التهميش والفقر والجهل في وقت كان العالم الغربي يشهد نهضة علمية وصناعية وثقافية.
5. ربما يكون للتشابه اللغوي والثقافي والإثني دور في الاندماج والتحول التدريجي باتحاه الثفافة واللغة السائدة فقد سادت الآرامية ثم اليونانية ثم النبطية ثم العربية، وكان يتبع ذلك تحول تدريجي بطيء في اللغة والثقافة ووعي الذات، وبسبب التشابه والتقارب بين الأمم لم يكن ينظر إلى ذلك بعدائية وحذر. والغالب يسود كما يقول ابن خلدون، فقد سادت العربية ومعها الإسلام ثم سادت أوروبا بلغاتها وثقافتها، وغير ذلك كثيرا في اتجاهات المسلمين والمسيحيين وأسلوب حياتهم وأفكارهم. وهو بحث يطول إذا تتبعنا تحولات الخطاب الديني والثقافي في عصر الصناعة. لكن يمكن الإشارة على سبيل المثال إلى ظهور الانجيلية البروتستنتية والميثودية والمورمون والمعمدانيين في عالم المسيحية، وظهرت السيخية والقاديانية والبهائية والحركات والجماعات الإصلاحية والأصولية في عالم المسلمين
6. عودة إلى الآيات التي افتتحت بها المقالة، وهي تشير إلى حزن المسلمين وخوفهم بسبب هزيمة الروم على يد الفرس، والنبوءة بانتصارهم بعد بضع سنين، وهو أمر سيفرح المؤمنين. وهي إشارة إلى التضامن والتقارب الإسلامي المسيحي لا يغير منها الاقتتال والاختلاف فيما بعد، فالمؤمنون للأسف الشديد يقتتلون.
لقد صار ذلك كله تاريخا مضى وإن بقي أثره العميق المتراكم، لكننا اليوم في عصر جديد ينشئ قيما وأفكارا واتجاهات جديدة ومختلفة، وهي استجابات ليست تلقائية ولا تتشابه، لكنها خيارات نصنعها نحن بوعينا، وشأن كل مرحلة في التاريخ فإن لها فرصها وتحدياتها.
وفي مقدورنا اليوم بفضل الشبكية والتقدم العلمي وانتشار التعليم أن نكرس عالما جديدا من التفاهم والتشارك والتعاون. ليس المطلوب من أحد أن يغير دينه أو مذهبه، لكن يمكننا أن نعمل معا متحدين وفي الوقت نفسه مختلفين ومتنوعين.
لقد أشرت في العنوان بقصد مسبق إلى المسيحية الشرقية، وأعني أن المسيحين الشرقيين يشكلون مكونا رئيسيا وطبيعيا في بنية الشرق الراسخ العميق الممتد إلى آلاف السنين، إن تسمية "الروم الكاثوليك" أو "السريان الكاثوليك" أو "الأرمن الكاثوليك" وغير ذلك من تسميات تدمج بين الشرقية والكاثوليكية تشير إلى الشعور العميق لدى المسحيين الشرقيين حتى حين يتعبون الكاثوليكية غربية المنشأ.
كانت المسيحية سائدة في مرحلة رئيسية، وبقي الشرق شرقا بغض النظر عن الديانات والثقافات التي سادت على مدى التاريخ، ولا يغير فيه تغير وتعاقب الأديان والثقافات والاتجاهات والأفكار والفلسفات والحضارات.
لكن هناك إشارة خاصة يجب ذكرها للمسيحيين الشرقيين ولا يجوز إغفالها، وهي أن العالم بعامة والعرب بخاصة مدينين للمسيحيين الشرقيين في مسألتين: لقد حافظوا على الإيمان والفلسفة والفكر في مرحلة انحسر الإيمان فيها واختفت الفلسفة والعلوم والفنون؛ مثل الطب والعمارة والزراعة والتنظيم المالي، وكانوا في ذلك الركن الأساسي الذي ندين له بالفضل في بناء وتأسيس الحضارة العربية والإسلامية.