facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هرمز .. عُقدة الجغرافيا ومفصل الاستراتيجية


د. عبدالحفيظ العجلوني
12-04-2026 03:42 PM

ليس مضيق هرمز مجرد ممرٍ مائيٍ ضيق، بل هو شريانٌ حيوي تتقاطع عنده مصالح الاقتصاد العالمي مع حسابات القوة الإقليمية، إذ يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية قادرة على إحداث اضطراب واسع وفوري في الأسواق إذا ما تعرض للتهديد أو التعطيل. وفي ظل التوترات الراهنة، يبرز هذا المضيق بوصفه إحدى أهم أوراق الضغط التي يمكن أن تلجأ إليها إيران عندما تضيق خياراتها الأخرى، فالدول التي تجد نفسها في موقع اختلال في ميزان القوى تميل إلى تعظيم قيمة أوراقها الجيوسياسية، غير أن تحويل هذه الورقة من أداة ردع إلى وسيلة اشتباك فعلي يحمل في طياته مخاطر الانتقال من حافة التهديد إلى قلب المواجهة المفتوحة.

في المقابل، تنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى حرية الملاحة في المضائق الدولية باعتبارها مصلحة عليا وخطًا أحمر، ليس فقط لضمان تدفق النفط والغاز، بل للحفاظ على استقرار النظام الاقتصادي العالمي ومصداقية القواعد التي تحكم التجارة الدولية، ومن هنا فإن أي محاولة لفرض سيطرة أحادية على هذا الممر الحيوي ستُقابل على الأرجح بردود تتدرج من الضغط السياسي والاقتصادي إلى الحضور العسكري المدعوم بتحالفات واسعة ترى في أمن الملاحة مسؤولية مشتركة لا يمكن التفريط بها.

إن المشهد القائم يعكس حالة من الردع المتبادل التي تشبه إلى حد بعيد سباقًا في اختبار القدرة على التحمل، حيث تلوّح إيران بإمكانية تعطيل المضيق أو تهديد البنية التحتية الحيوية في الخليج، بينما تراهن الولايات المتحدة وحلفاؤها على تفوقهم البحري وقدرتهم على احتواء أي تصعيد وضمان استمرار تدفق الطاقة، ومع ذلك فإن هذه المعادلة تظل محكومة بسقف غير معلن، إذ يدرك الطرفان أن الانزلاق إلى مواجهة واسعة في هذه المنطقة الحساسة سيحمل كلفة باهظة تتجاوز حدودهما لتصيب الاقتصاد العالمي بأسره.

وأي اضطراب كبير في هذا الممر لن يبقى أثره محصورًا في نطاقه الجغرافي، بل سينعكس سريعًا على أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومعدلات التضخم، بما يضع العالم أمام تداعيات اقتصادية واجتماعية معقدة، كما أن دول الخليج ستكون في صدارة المتأثرين بحكم ارتباط استقرارها الاقتصادي والأمني باستمرار انسياب الطاقة عبر هذا الممر، ما يجعل أمنه جزءًا لا يتجزأ من أمنها الوطني.

وفي خضم هذه المعادلة المعقدة، تبدو الحاجة ملحّة لأن تعيد طهران قراءة المشهد بعين العقل لا بعاطفة اللحظة، وأن تتحرر من ضغط الخطاب الداخلي الذي قد يدفعها إلى التصلب في مواقف أُعلنت تحت وطأة التعبئة السياسية، بما في ذلك الادعاءات التي صُوّرت على أنها انتصار أو سيطرة مستمرة على المضيق، وهي روايات قد تخدم تهدئة الداخل مرحليًا لكنها تقيّد هامش المناورة الاستراتيجية وتُصعّب التراجع العقلاني حين تقتضيه المصلحة الوطنية. إن إدارة الدول لا تقوم على مجاراة المزاج الشعبي الآني بقدر ما تقوم على ترجيح الكلفة والمنفعة، وعلى القدرة على الانتقال من خطاب التعبئة إلى خطاب المسؤولية حين تتبدل المعطيات.

إن الحكمة السياسية تقتضي من إيران أن تتعامل مع هذا الملف بوصفه قضية توازنات دقيقة لا ساحة لإثبات الانتصارات الرمزية، وأن تدرك أن الإصرار على مواقف قصوى تحت ضغط الرأي العام قد يقود إلى خسائر أكبر يصعب تداركها، بينما يظل خيار التهدئة وإعادة التموضع المدروس أكثر اتساقًا مع مصالحها بعيدة المدى. فالمسألة في جوهرها لا تتعلق بمن يفرض سيطرته على هذا الممر، بل بكيفية الحفاظ عليه كمجال مفتوح وآمن يخدم مصالح الجميع، لأن أي محاولة لتحويله إلى ساحة صراع مباشر لن تؤدي إلا إلى نتائج عكسية، حيث تتحول أدوات الضغط إلى عوامل تفجير يصعب التحكم بمآلاتها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :