facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تتكلم الصواريخ وتصمت العواصم


د. بركات النمر العبادي
12-04-2026 03:58 PM

* العرب في زمن العجز المؤجل بانتظار قوة الردع العربي

في هذه الحرب ، لم يكن المشهد الأكثر دلالة هو سقوط الصواريخ على المدن ، ولا اشتعال السماء فوق المنشآت العسكرية ، بل ذلك الصمت العربي الثقيل الذي بدا كأنه اعتراف غير معلن بانتهاء زمن الفعل ، والدخول الطوعي في زمن التلقي ، و لقد تحولت المنطقة العربية ، بكل ما تختزنه من ثروات وممرات استراتيجية وكتل بشرية ، إلى مسرح مفتوح تُدار فوقه صراعات الآخرين ، فيما يقف أصحاب الأرض في مقاعد المتفرجين ، يراقبون خرائط النار وهي تعيد رسم حدود أمنهم من دون أن يُستشاروا.

ما جرى بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ، لم يكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة ، بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة نظام ردع إقليمي جديد ، عنوانه أن من يمتلك القدرة على الضرب في العمق هو من يملك حق الجلوس إلى طاولة تقرير المصير ، وإيران ، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع مشروعها السياسي ، خرجت من هذه الحرب وقد كرّست هذه الحقيقة : إنها دولة قادرة على فرض كلفة الحرب على خصومها ، وقادرة على تحويل جغرافيتها السياسية إلى قوة نارية تتجاوز حدودها.

أما إسرائيل ، فرغم تفوقها التكنولوجي والعسكري ، فقد خسرت شيئاً لا يقل خطورة عن الخسائر المادية : خسرت وهم الحصانة المطلقة ، للمرة الأولى، وبدا عمقها الاستراتيجي قابلاً للاختراق ، وبدا ردعها التقليدي أقل قدرة على إخافة خصومها. والولايات المتحدة، بدورها، لم تربح سوى تأكيد مأزقها التاريخي : قوة عسكرية جبارة ، عاجزة عن إنتاج استقرار دائم ، وتزداد كلفة هيمنتها كلما اتسعت رقعة النار.

غير أن الفضيحة الكبرى لم تكن في نتائج الحرب ذاتها، بل في الموقف العربي منها. العرب، الذين يملكون ما يكفي من الموارد لبناء أعظم منظومة أمنية في العالم النامي، ما زالوا يتصرفون ككيانات سياسية متفرقة ، تستورد أمنها كما تستورد غذاءها، وتنتظر من الخارج أن يقرر متى تُحمى ومتى تُترك مكشوفة ، لقد انكشفت الحقيقة المرة : لا توجد مظلة أمريكية تحمي العرب بوصفهم عرباً، بل توجد فقط مظلة تحمي المصالح الأمريكية، وفي القلب منها أمن إسرائيل.

دول الخليج ، التي وجدت نفسها فجأة داخل مرمى الصواريخ الإيرانية ، تواجه الآن سؤالاً وجودياً لا يحتمل التأجيل : ماذا لو اندلعت الحرب الكبرى غداً ؟ من سيرد ؟ ومن سيحمي حقول النفط والموانئ والمدن الذكية والمنشآت الحيوية ؟ إن الاعتماد المطلق على الحماية الخارجية ليس سياسة أمن ، بل تأجيل مؤقت للكارثة.

ومن منظور الفكر المحافظ الأردني ، فإن الأمن لا يُفهم بوصفه مجرد امتلاك للسلاح ، بل بوصفه منظومة سيادة متكاملة تقوم على الدولة الوطنية القوية ، والقرار المستقل ، والتحالفات المتوازنة التي لا تُفرّط بالسيادة ولا ترهن المصير الوطني لإرادة الخارج ، فالتجربة الأردنية ، التي قامت تاريخياً على مبدأ التوازن بين الواقعية السياسية والثبات على المصالح الوطنية ، تقدم درساً بالغ الأهمية للعرب : لا أمن حقيقياً من دون بناء الداخل أولاً، ولا ردع فعالاً من دون وحدة مجتمعية صلبة ، ولا قدرة على مواجهة التهديدات الإقليمية ما لم تُربط القوة العسكرية بعقيدة سياسية أخلاقية تجعل من حماية الإنسان والدولة غاية الردع وشرعيته ، ففي هذا المعنى ، يصبح الردع العربي مشروع بقاء حضاري ، لا مجرد سباق تسلح.

لقد أثبتت هذه الحرب أن العرب يعيشون مفارقة مهينة : هم الأغنى مالياً ، والأفقر استراتيجياً. يملكون أحدث الطائرات ، لكنهم لا يملكون قرار استخدامها المستقل ، يشترون أنظمة الدفاع ، لكنهم لا يملكون عقيدة ردع موحدة ، يوقعون اتفاقيات الحماية ، لكنهم لا يستطيعون حماية أنفسهم إذا تغيرت أولويات الحليف.

المشكلة العربية ليست نقص المال ، ولا غياب التكنولوجيا ، بل غياب الإرادة السياسية الجامعة ، فلا ردع من دون مشروع عربي مشترك ، ولا أمن من دون تصنيع عسكري عربي متكامل ، ولا سيادة من دون قرار دفاعي مستقل ، الردع لا يُشترى جاهزاً من الأسواق الدولية ؛ الردع يُبنى حين تتحول الأمة من مستهلك للسلاح إلى منتج له ، ومن تابع في التحالفات إلى شريك قادر على فرض شروطه.

الرؤية المستقبلية الوحيدة القادرة على إنقاذ العرب من هذا الهامش الخطير تبدأ من ثلاث ركائز لا بديل عنها:
أولاً : إنشاء منظومة دفاع عربي مشترك حقيقية ، لا شكلية ، تتجاوز بيانات القمم إلى قيادة عسكرية موحدة ، وإنذار مبكر متكامل ، وشبكات دفاع صاروخي مترابطة.
ثانياً : توطين الصناعات العسكرية الاستراتيجية ، خصوصاً في مجالات الدفاع الجوي ، الصواريخ الاعتراضية ، الحرب السيبرانية ، والطائرات المسيّرة ، لأن الأمة التي لا تصنع سلاحها لا تملك قرار حربها.
ثالثاً : صياغة عقيدة أمن قومي عربي جديدة ، تعتبر أن أي تهديد لإحدى الدول العربية هو تهديد مباشر للمجموع ، وتبني الردع على قاعدة المصير المشترك لا على قاعدة النجاة الفردية المؤقتة.

إن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس الصواريخ الإيرانية ، ولا الغارات الإسرائيلية ، بل استمرار الوهم العربي بأن الزمن يمكن أن يبقى راكداً، فالمنطقة تدخل عصراً جديداً لا مكان فيه للكيانات الضعيفة ، ولا احترام فيه لمن لا يملك قدرة الرد ، والتاريخ لا يرحم الأمم التي تملك كل أسباب القوة ثم تختار، بإرادتها ، أن تبقى بلا أنياب.

و السؤال لم يعد : من انتصر في الحرب؟

السؤال الحقيقي هو: هل أدرك العرب أخيراً أن الأمن لا يُستعار ، وأن من لا يصنع ردعه بيده ، يُكتب عليه أن يعيش دائماً تحت رحمة صواريخ الآخرين؟

حمى الله الاردن وجميع البلاد العربية من كل كريهة

* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :