الأزمات السياسية والدولية… والمواقف المستأجرة
محمد مطلب المجالي
13-04-2026 02:04 AM
في زمنٍ صار فيه الباطل يتكئ على الشعارات ليمرّ كأنه حقيقة، لم تعد الأزمات السياسية والدولية مجرد صراعات عابرة، بل تحوّلت إلى مسارات معقدة تُدار فيها الأدوار بعناية، ويُستأجر فيها الموقف كما تُستأجر الكلمات.
لم يعد المشهد بحاجة إلى كثير عناء لقراءته؛ فكل أزمة تندلع تحمل في طياتها حقيقتين: واحدة تُعرض على الشاشات، وأخرى تُدار في الغرف المغلقة. الأولى مليئة بالخطابات الرنانة والوعود الفضفاضة، والثانية تُحسم فيها المصالح وتقاس فيها الأثمان.
وما أخطر أن تتحول المواقف إلى سلع! تُباع وتُشترى، وتُبدّل بحسب اتجاه الريح، لا بحسب ثوابت أو مبادئ. ترى البعض يرفع شعار الحق صباحاً، ثم يساوم عليه مساءً، وكأن القضايا العادلة أصبحت أوراق تفاوض، لا خطوطاً حمراء.
في خضم هذه الفوضى، تظهر “المواقف المستأجرة” كأحد أبرز مظاهر الانحدار السياسي؛ مواقف لا تنبع من قناعة، ولا تستند إلى رؤية، بل تُصاغ وفق تعليمات، وتُضبط إيقاعاتها على نغمة الممول. وحين يُصبح القرار رهينة الدعم، تفقد السيادة معناها، ويتحول الصوت الوطني إلى صدى بعيد.
أما الشعوب، فهي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة المختلة؛ تُستنزف باسم الصراعات، وتُخدّر بخطابات النصر الوهمي، بينما تُدار فوق أرضها صفقات لا ترى منها سوى الفاتورة.
ولعل الأخطر من ذلك، أن بعض من يتصدرون المشهد يتقنون لعبة التلون؛ يتحدثون بلغة العزة حين تقتضي الجماهير ذلك، ثم ينحنون حين تُفتح أبواب المصالح. هؤلاء لا يمثلون قضية، بل يمثلون أنفسهم، ولا ينتمون لموقف، بل ينتمون لمن يدفع أكثر.
إن الأزمات لا تُدار دائماً بالسلاح، بل كثيراً ما تُدار بالمواقف المصطنعة، والاصطفافات المعلبة، والبيانات التي تُكتب قبل أن تُفهم. وهنا، يصبح الإعلام شريكاً في صناعة الوهم، حين يجمّل القبح، أو يبرر التناقض.
وفي ختام المشهد، تبقى الحقيقة واضحة لمن أراد أن يراها:
الأزمات تكشف معادن الدول، أما “المواقف المستأجرة” فتكشف عوراتها.
ومن يفرّط بموقفه اليوم، لن يجد غداً ما يدافع عنه.
فهل آن الأوان أن تُستعاد المواقف من سوق النخاسة السياسية؟
أم أننا سنبقى شهوداً على زمنٍ يُباع فيه الضمير… بالجملة؟