facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




اوروبا والتحول الاستراتيجي نحو اقتصاد الحرب


د. مالك القصاص
13-04-2026 09:57 AM

اقتصاد الحرب هو حالة يعاد فيها تنظيم اقتصاد الدولة بالكامل لخدمة مجهودها العسكري، وتتحول الأولويات من انتاج السلع المدنية الى تصنيع الأسلحة والمعدات ودعم الجيش. وكما يعني ان تتدخل الدولة بقوة في توزيع الموارد، وتوجيه الميزانيات نحو الدفاع، وتوجيه المصانع للعمل العسكري، وتحديد الأسعار، وتقييد الاستهلاك المدني، بهدف ضمان استمرار الامداد الحربي.

في ذات الشأن، يعتبر الخبراء انه إلى جانب المعدات العسكرية التقليدية، تتطلب الأسلحة الحديثة استثمارات في التكنولوجيا والخدمات الرقمية، مثل البرمجيات وتحليلات البيانات وأنظمة الأقمار الصناعية والإنترنت والامن السيبراني.

في السنوات الأخيرة، بدأت أوروبا التفكير في التسلح وبدأت تعود كذلك ملامح اقتصاد الحرب الى الواجهة بسبب التهديدات الأمنية المتزايدة وتصاعد التوترات العالمية وتدهور الشراكة الاستراتيجية التقليدية مع الولايات المتحدة، وتراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) وأوروبا بشكل عام.

في ذات السياق، أعلنت المفوضية الأوروبية في العام الماضي عن خطة دفاعية بقيمة 800 مليار يورو. وتهدف هذه الخطة، التي أُطلق عليها اسم "إعادة تسليح أوروبا"، إلى تعزيز القدرات العسكرية للاتحاد الأوروبي، وتتضمن قروضا بقيمة 150 مليار يورو لأعضاء الاتحاد.

وفي هذا الإطار، ترجمت الكثير من الدول الاوربية هذا التحول الى خطوات على الأرض، فعلى سبيل المثال، قامت المانيا بتعديل على قواعد الميزانية الحكومية، مما يعطي الحكومة حرية أكبر في تعزيز تسليحها، حيث لن يكون معظم الإنفاق الدفاعي مقيدا بقواعد العجز المالي. كما واتخذت مجموعة فولكس فاغن خطوة غير مسبوقة بتوجيه أحد مصانعها لتصنيع مكونات تدخل في منظومة القبة الحديدية، في إشارة واضحة لاندماج كبرى شركات السيارات في السلسلة الدفاعية.

اما في اسبانيا، فقد بدا توجيه أحواض بناء السفن التي كانت تاريخيا موجهة للسفن التجارية والرحلات البحرية لبناء سفن إنزال وغواصات للبحرية، بالإضافة الى توجيه شركات إلكترونيات وتقنيات رقمية الى عمل أنظمة القيادة والسيطرة، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية.

اما في الشأن البلجيكي، فقد تم إعادة توجيه سلاسل توريد مدنية نحو الاقتصاد العسكري، وخصوصا الصناعات الكيميائية والمتقدمة، مثل المتفجرات، الذخيرة، ومواد المعالجة الكيميائية العسكرية.

كما ويبرز مجمع شركة ZVS Holding السلوفاكي كنموذج لهذا التحول، حيث يعود للواجهة بدعم من مجموعة CSG الدفاعية لتوسيع خطوط إنتاج قذائف المدفعية.

اما على الصعيد الإيطالي، فلم تكتف إيطاليا برفع ميزانيتها الدفاعية أو زيادة إنتاج السلاح فحسب، بل دخلت مرحلة إعادة توجيه فعلية لقطاعات صناعية كاملة، نحو منظومة الاقتصاد العسكري.

وأبرز مثال على هذا التحول هو استحواذ شركة ليوناردو (Leonardo المملوكة جزئيا للدولة) في مارس 2026، على نشاط المركبات العسكرية لمجموعة إيفيكو (Iveco) مقابل نحو 1.6 مليار يورو. وتهدف هذه الصفقة الى جعل الشركة محورا أوروبيا في تطوير أنظمة القتال البرية من خلال التكامل الرأسي وتقديم حلول قتالية برية متكاملة تجمع بين المنصات والإلكترونيات وأنظمة القيادة والتسليح.

في السياق نفسه، أعادت إيطاليا توجيه جزء مهم من طاقاتها في بناء السفن، وهي تقليديا صناعة مدنية، نحو الإنتاج العسكري البحري. فعلى سبيل المثال، قامت شركة بناء السفن العالمية فينكانتيري (Fincantieri) بتعزيز قدراتها في بناء السفن القتالية متعددة المهام. كما وعملت على توجيه الشركات للاستثمار في التكنولوجيا والخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

وفي الختام، يعكس هذا التحول نحو اقتصاد الحرب في أوروبا عن تغيير جذري في سلم أولويات القارة العجوز، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في أوكرانيا والشرق الأوسط، حيث باتت اعتبارات الأمن القومي تتقدم بوضوح على أهداف الرفاه الاجتماعي والإنتاج الاستهلاكي التقليدي.

كما أن ما يحدث اليوم لا يبدو مجرد رد فعل مؤقت على أزمات طارئة، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل البنية الاقتصادية الأوروبية برمتها، خصوصا مع ضخ استثمارات هائلة في الصناعات الثقيلة المرتبطة بالدفاع على حساب قطاعات التصنيع المدني التقليدية، وهو ما قد يؤدي إلى تغيير خريطة العمالة وسلاسل الإمداد القارية.

وبالإضافة الى ذلك، يتوقع خبراء، ومع استمرار ضغوط الصراعات وتفاقم حالة عدم اليقين، أن تتجه المزيد من كبرى شركات التصنيع إلى إعادة توجيه خطوط إنتاجها لتلبية المتطلبات العسكرية للجبهات المشتعلة، وهو ما من شأنه ترسيخ حضور "اقتصاد الحرب" كعامل مهيمن في الساحتين المالية والسياسية الأوروبية خلال السنوات المقبلة. فهل نحن أمام مقدمات لحقبة جديدة تتسم بحروب كبرى وصراعات ممتدة؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :