دول الخليج العربي في اليوم التالي للحرب: مقاربة مختلفة؟!
أ.د أحمد بطَّاح
13-04-2026 11:09 AM
لقد دأبت دول الخليج العربي تاريخياً على تبني معادلة تقضي بتأمين الدول الغربية بالنفط والغاز وأموال الاستثمار مقابل الأمن، ولكن المعركة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى قد تفرض على دول الخليج العربي مقاربة مختلفة (كما أشار السيد أنور قرقاش مستشار رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة) فهذه الدول لم تُستشر في الحرب، وتحملت أعباء (وبالذات اقتصادية) كبيرة أثناءَها، كما يبدو أنها لن تكون ذات حضور في محادثات الولايات المتحدة وإيران والتي بدأت في إسلام أباد ولا يعرف أحد مآلاتها بالضبط.
إنّ هذا الوضع بأبعاده المختلفة يفرض على دول الخليج التفكير مستقبلاً في مقاربة جديدة تحفظ أمنها وحقوقها من جهة وتُبقي على علاقاتها متوازنة وتخدم مصلحتها من جهة أخرى، والواقع أنّ هنالك عدة عوامل تدفع في هذا الاتجاه ولعلّ أهمها:
أولاً: أنّ إيران دولة جارة يبلغ عدد سكانها (90) مليون نسمة ولا تقل مساحتها عن (1,600,000) كم2، وما دام أن من غير المتوقع أن يتغير هذا الواقع الجغرافي فإنّ دول الخليج العربي مُلزمة حكماً بقبوله والتعامل معه كما هو.
ثانياً: أنّ المعادلة السابقة (النفط والغاز والمال مقابل الأمن) في حفظ أمن دول الخليج العربي أثبتت أنها غير ذات مصداقية كبيرة، فضلاً عن أنّ دول الخليج لم تُستشر عند إشعال الحرب، فإنّها في الواقع لم تحظَ بالحماية الكاملة من الطرف الآخر متمثلاً في القواعد الأمريكية والقوات الأخرى المحيطة بالخليج. صحيح أنّ دول الخليج دافعت عن نفسها ببسالة، وصحيح أنّ معظم معدات الدفاع التي استخدمتها كانت غربية (أمريكية في الغالب) ولكن الحقيقة تظل ماثلة وهي أنّ هذه الدول تعرضت لهجمات خطيرة بدون أن تتوفر حماية كاملة لها، الأمر الذي يستدعي إعادة التفكير في موضوع توفير الأمن.
ثالثاً: أنّ "الاتفاقيات الإبراهيمية" التي عقدتها بعض دول الخليج (الإمارات والبحرين) للاحتماء من الخطر الإيراني لم تجلب لها أمناً زائداً لها عن بقية دول الخليج (السعودية، وقطر، والكويت، وعُمان) بل على العكس ربما كانت الأكثر تعرضاً للهجمات وبالتالي الأكثر معاناةً من الخسائر بكافة أنواعها.
رابعاً: أنّ الدولة الكبرى الرئيسية التي كانت توفر الأمن لدول الخليج العربي وهي الولايات المتحدة الأمريكية أخذت تغير من سياساتها التقليدية التي تعتبر أنّ الشرق الأوسط ذا أهمية مركزية، وقد أشارت وثيقتها الاستراتيجية لعام 2025 إلى أنّ تركيز الولايات المتحدة يجب أن يكون مواجهة الصين ولذا فموضوع الاهتمام يجب أن يتمركز على نصف الكرة الغربي وعلى منطقة بحر الصين الجنوبي، ولذا فلن يكون غريباً انسحاب الولايات المتحدة تدريجياً من الشرق الأوسط، الأمر الذي يعني ما يعنيه بالنسبة لدول الخليج العربي.
خامساً: أنّ الرأي العام الخليجي هو وبشكل متزايد مع الاعتماد على الذات وبناء قوة دفاع متطورة تستطيع الدفاع ضد أيّة أخطار خارجية، وتقليل الاعتماد على الدول الغربية، الأمر الذي يعني تطوير قوة "درع الجزيرة" التي بناها مجلس التعاون الخليجي من أبناء دول الخليج، ويمكن لهذه القوة أن تُدعّم نفسها بقوات عربية من مصر، أو الأردن، بحيث تكون قادرة فعلاً على تحقيق الأمن لهذه الدول، وقد يكون من المناسب أن تعقد هذه الدول اتفاقيات استراتيجية مع باكستان (النووية) كما فعلت السعودية لردع أيّة قوة نووية كإسرائيل وغيرها من التعدي عليها.
سادساً: بناء علاقات مصلحية قوية مع "الأقطاب" الصاعدة الجديدة في العالم كالصين وروسيا وغيرهما وبخاصة أنّ بعض هذه الدول كالدولتين المُشار إليهما أنفاً هما حليفتان لإيران وبالتالي يمكن أن تكونا ذات أهمية خاصة في ردع إيران والتقليل من احتمالية اعتدائها على دول الخليج العربي. إنّ الانحياز للغرب يعني حكماً الوقوف في وجه القوى المناوئة له أمّا بناء علاقات استراتيجية متوازنة مع جميع الدول فإنها تعني بالضرورة القدرة على البقاء في وضع "الحياد" وهو ما يناسب وضعية معظم دول الخليج كدول صغيرة مسالمة تركز على التنمية والاستثمار.
وختاماً فإنّ من الضروري أن نسأل: هل هذه المقاربة ضرورية؟ وهل هي ممكنة في ظل الحرب الأخيرة التي حصلت في المنطقة؟ إنها بالقطع ضرورية فالدول يجب أن تعيد حساباتها، وتكيّف سياساتها وفقاً لمصالحها المتغيرة، وهي بالقطع ممكنة لأنّ دول الخليج العربي دول ذات إمكانيات حيوية للعالم أجمع فهي تصدر إليه "عصب الحياة" وهو النفط والغاز، وهي تجاور أهم الممرات المائية (مضيق باب المندب، مضيق هرمز)، وهي جزء من فضاء عربي كبير وقادر على الدعم والمساندة إذا ما طُلب منه ذلك، وإذنْ فهل نشهد مثل هذه المقاربة الجديدة حتى وإنْ تأخرت قليلاً؟!