على حافة الانفجار… حين تفشل الدبلوماسية
د. محمد بني سلامة
13-04-2026 11:31 AM
لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خلاف سياسي تقليدي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة العالم على احتواء الأزمات قبل انفجارها. ومع تعثر جولة جديدة من المفاوضات، ودخولها مرحلة الجمود، يتصاعد القلق من أن المنطقة تقف اليوم على حافة تصعيد قد لا يمكن احتواؤه بسهولة.
فشل الجهود الدبلوماسية الأخيرة لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان مؤشرًا خطيرًا على عمق الهوة بين الطرفين. فواشنطن ما تزال تصر على شروطها المتعلقة بكبح البرنامج النووي الإيراني، وعلى رأسها وقف زيادة مخزون اليورانيوم، باعتبار ذلك خط الدفاع الأول لمنع طهران من بلوغ العتبة النووية. في المقابل، ترى إيران أن هذه المطالب ليست سوى محاولة لإجبارها على تقديم تنازلات أحادية، دون أي ضمانات حقيقية برفع العقوبات أو احترام التزامات سابقة.
هذا التباعد الحاد في المواقف لا يعكس فقط خلافًا تقنيًا حول بنود اتفاق، بل يكشف أزمة ثقة عميقة تراكمت عبر سنوات من التوتر والانسحابات والضغوط. فإيران تنظر بعين الريبة إلى أي مبادرة أمريكية، بينما تتعامل واشنطن مع البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن الدولي، وليس مجرد ملف تفاوضي قابل للتسوية.
غير أن خطورة المشهد لا تقف عند حدود الملف النووي. فالمعادلة أكثر تعقيدًا، حيث يتقاطع هذا الملف مع أوراق ضغط جيوسياسية بالغة الحساسية، أبرزها مضيق هرمز. هذا الشريان الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية، يمنح إيران نفوذًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله. ومع كل تصعيد، يزداد احتمال أن يتحول هذا المضيق إلى نقطة اشتعال، ما يهدد الاقتصاد العالمي برمته، وليس فقط أمن المنطقة.
إن فشل المفاوضات في هذا التوقيت تحديدًا يحمل دلالات تتجاوز اللحظة الراهنة. فهو يعزز منطق التصعيد بدل التهدئة، ويفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، تبدأ من زيادة التوترات العسكرية غير المباشرة، ولا تنتهي عند احتمال المواجهة المفتوحة. وفي ظل بيئة إقليمية متوترة أصلًا، فإن أي شرارة إضافية قد تكون كفيلة بإشعال سلسلة من الأزمات المتداخلة.
كما أن استمرار هذا الجمود يبعث برسائل سلبية إلى المجتمع الدولي، مفادها أن الأدوات الدبلوماسية باتت عاجزة عن حل النزاعات المعقدة، وأن لغة القوة قد تعود لتفرض نفسها من جديد. وهذا بدوره يهدد بنسف ما تبقى من منظومة الأمن الجماعي، ويضع العالم أمام مرحلة أكثر اضطرابًا.
اللافت أن كلا الطرفين لا يبدو مستعدًا للتراجع في المدى القريب. فواشنطن مقيدة بحسابات داخلية وضغوط حلفائها، بينما ترى طهران أن أي تراجع الآن سيُفسَّر على أنه ضعف استراتيجي. وبين هذا وذاك، تضيق مساحة الحلول، وتتآكل فرص الوصول إلى تسوية متوازنة.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط ما يحدث الآن، بل ما قد يحدث لاحقًا. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى كثيرًا ما تبدأ بفشل مفاوضات كان يمكن إنقاذها، لو توفرت الإرادة السياسية الكافية. واليوم، يبدو أن العالم يكرر الأخطاء ذاتها، ولكن في سياق أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
ختامًا، يقف الشرق الأوسط والعالم أمام مفترق طرق حاسم: إما استعادة المسار الدبلوماسي بروح جديدة قائمة على التوازن والضمانات المتبادلة، أو الانزلاق نحو مرحلة من التصعيد قد تكون كلفتها باهظة على الجميع. فحين تفشل المفاوضات، لا يبقى أمام الدول سوى خيارات أقل عقلانية… وأكثر خطورة.