facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الدراسات الاكتوارية لا تكفي لاستدامة الضمان الاجتماعي


د. صالح سليم الحموري
13-04-2026 06:13 PM

في كل مرة تواجه فيها أنظمة الضمان الاجتماعي تحديًا ماليًا، يُطرح الحل ذاته بثقة: “أجرينا دراسة اكتوارية”.

وكأن الأرقام، وحدها، قادرة على إنقاذ منظومة اجتماعية معقدة، تعيش في قلب المجتمع، لا في جداول البيانات.
الدراسات الاكتوارية مهمة… بل ضرورية.

هي التي تُقدّر الالتزامات، وتُسعّر المخاطر، وتُحاكي المستقبل بلغة الأرقام.

لكن الخطأ يبدأ حين نُحمّلها ما لا تحتمل، ونتعامل معها وكأنها “الحل”، لا مجرد “أداة”.
فالضمان الاجتماعي ليس معادلة رياضية… بل عقد اجتماعي.

المعادلة الاكتوارية تفترض إنسانًا ثابتًا: يعمل بانتظام، يدفع اشتراكاته، يعيش وفق متوسطات متوقعة، ويتقاعد في عمر محدد.
لكن الواقع تغيّر.

سوق العمل لم يعد خطيًا، بل متقلبًا.
الوظائف لم تعد دائمة، بل مرنة ومؤقتة.

والشباب لم يعودوا يدخلون سوق العمل بنفس النمط الذي بُنيت عليه تلك النماذج.

كيف يمكن لنموذج رياضي بُني على استقرار الأمس… أن يدير فوضى اليوم؟
المشكلة الأعمق ليست في دقة الأرقام… بل في ضيق زاوية النظر.
حين تُدار أنظمة الضمان بعقلية اكتوارية فقط، فإنها تميل إلى حلول تقليدية:

رفع الاشتراكات، تأخير سن التقاعد، أو تقليص المنافع.

قد تنجح هذه الإجراءات في تحسين المؤشرات على الورق، لكنها قد تُضعف الثقة، وتُقلّص الامتثال، وتدفع الناس خارج المنظومة… بصمت.
وهنا المفارقة:

نُحسّن الاستدامة الحسابية… ونُضعف الاستدامة المجتمعية.

الاستدامة الحقيقية لا تُبنى فقط على التوازن المالي،
بل على ثلاثة أعمدة لا تقل أهمية: الثقة، والمرونة، والعدالة المدركة.

لكن حتى هذه الأعمدة… لم تعد كافية وحدها.

لأننا لا نعيش فقط تحديات الحاضر، بل نقف على أعتاب تحولات لم تتشكل بعد.

وهنا يظهر الغائب الأكبر في كثير من النقاشات: "استشراف المستقبل".

استشراف المستقبل ليس تنبؤاً… بل إعادة طرح السؤال.

الدراسات الاكتوارية تُسقط الحاضر على المستقبل،

أما الاستشراف فيسأل: ماذا لو تغيّر الحاضر نفسه؟

ماذا لو اختفت وظائف وظهرت أخرى؟

ماذا لو أصبح العمل الحر هو القاعدة؟

ماذا لو ارتفع متوسط الأعمار بشكل غير مسبوق؟

هذه ليست افتراضات خيالية،

بل تحولات بدأت بالفعل.

ومع ذلك،
ما زلنا نحاول إدارة أنظمة الضمان
بأدوات صُممت لعالم لم يعد موجوداً.

الفرق جوهري:

الاكتواري يُحاكي المستقبل إذا بقي كل شيء كما هو.

أما الاستشراف… فيفترض أن كل شيء قابل للتغيير.

ومن هنا، فإن الاعتماد على الدراسات الاكتوارية وحدها، يشبه قيادة سيارة عبر النظر في المرآة الخلفية… بدقة عالية.

نحن بحاجة إلى نموذج جديد، لا يُلغي الاكتواري… بل يُكمله.

نموذج ثلاثي الأبعاد: اكتواري يضبط الأرقام، سلوكي يفهم الإنسان ، استشرافي يستبق التحولات.

بدون هذا التكامل، سنبقى نُصلح الحاضر… ونفشل في الاستعداد للمستقبل.

في زمن الاقتصاد الرقمي والمنصات، لم يعد “المشترك” موظفًا تقليديًا فقط،
ولم يعد “صاحب العمل” جهة واضحة ومحددة.

هناك مستقلون، وعاملون عن بُعد، ووظائف متعددة في وقت واحد، ودخول غير مستقرة، ومسارات مهنية غير متوقعة.
فكيف نصمم نظامًا ثابتًا… لعالم متغير؟

هذا سؤال استشرافي… لا اكتواري.

الدراسات الاكتوارية تُخبرنا “إلى أين سنصل” إذا استمررنا كما نحن.

لكن استشراف المستقبل يُخبرنا: “كيف يجب أن نُغيّر المسار قبل أن نصل”.
في النهاية…

الضمان الاجتماعي لا يفشل حين تختل أرقامه فقط،
بل حين يفقد قدرته على مواكبة المستقبل.
أذن الدراسات الاكتوارية مهمة… لكنها لا تكفي.
لأن الاستدامة ليست فقط أن نُوازن الحسابات،
بل أن نُصمّم نظامًا يعيش في الغد… لا ينهار عند أول تغيير فيه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :