حرب أمريكا على إيران .. ما لها وما عليها
د. عبدالحفيظ العجلوني
14-04-2026 12:09 PM
في الثاني عشر من نيسان الجاري، نشرت صحيفة نيويورك تايمز افتتاحية لهيئة تحريرها حملت عنوان "أربع طرق تضعف بها حرب ترامب أمريكا"، لتضيف فصلاً جديداً إلى سجال محتدم بين مؤيدي الحرب الأمريكية على إيران ومعارضيها. بعد ستة أسابيع من اندلاع الحرب في 28 شباط 2026، لا يزال الجدل مشتعلاً حول ما إذا كانت "انتصاراً استراتيجياً" أم "هزيمة مذلة". نحاول هنا الإجابة عن سؤال محوري: ما الذي كسبته أمريكا وما الذي خسرته من حربها على إيران؟
ترى افتتاحية نيويورك تايمز أن الحرب لم تحقق أهدافها بل أضرت بأمريكا على أربعة مستويات. أولاً: الخسارة الاقتصادية، حيث أغلقت إيران مضيق هرمز الذي تمر عبره 20% من النفط العالمي، فيما وصفته الصحيفة بأنه "هزيمة استراتيجية" لأن إيران لم تمتلك هذه الأداة قبل الحرب. ثانياً: الضرر العسكري، حيث استخدمت أمريكا ربع مخزونها من صواريخ توماهوك، بينما استخدمت إيران طائرات بدون طيار رخيصة لتعطيل الملاحة، مما أظهر كيف تستنزف دولة ضعيفة القوة العظمى. ثالثاً: تآكل التحالفات الدولية، إذ رفضت اليابان وكوريا وأوروبا وحتى السعودية والإمارات دعم الحرب، وهو ما وصفه خبراء بأنه "الضرر الأكبر طويل المدى". رابعاً: انهيار الزعامة الأخلاقية، حيث اعتبر المقال تهديد ترامب بـ"محو حضارة بأكملها" جريمة حرب قوضت النفوذ الناعم الأمريكي.
إلى جانب الافتتاحية، نشرت الصحيفة تحليلات لكتابها. توماس فريدمان وصف ترامب بأنه قاد الجيش إلى "غرفة غاز" ودعا لصفقة تتخلى فيها إيران عن اليورانيوم مقابل تخلي واشنطن عن تغيير النظام. إزرا كلاين حذر من أن ترامب "فقد البلاد"، فانهار تأييده في ملفي الهجرة والاقتصاد. فريد زكريا رأى أن تهديد ترامب عودة إلى عقلية الإمبراطوريات الناهبة.
لكن الوقوف عند رواية نيويورك تايمز وحدها لا يكفي. يرى النقاد المحافظون أن الافتتاحية جزء من حملة ممنهجة ضد ترامب، وتتجاهل إنجازات كبرى، أولاً: تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، حيث دمرت ضربة فبراير مفاعلي نطنز وفوردو، ولن تتمكن إيران من تخصيب اليورانيوم عسكرياً لسنوات. ثانياً: تحييد شبكة الوكلاء الإقليميين (الحوثيون، الحشد، حزب الله) التي استثمرت فيها إيران عقوداً. ثالثاً: كسر "عقدة الخوف" من الحرب المباشرة مع إيران، وإرسال رسالة إلى الصين وروسيا بأن أمريكا لا تزال قادرة على ضرب أي عدو.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تستحق هذه الإنجازات الثمن؟ مؤيدو الحرب يقولون نعم، لأن البديل كان قنبلة إيرانية خلال أشهر ثم سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط. ويردون على حجة مضيق هرمز بأن إيران دفعت ثمناً باهظاً مقابل هذه الورقة: تدمير برنامجها النووي وبنيتها العسكرية ووكلائها. أما معارضو الحرب فيرون أن الخسائر تفوق المكاسب، فإيران تحولت إلى دولة ابتزاز اقتصادي، وأمريكا خسرت ثقة حلفائها وهيبتها الأخلاقية.
الانقسام يعكس خلافاً أعمق في النخبة الأمريكية. مؤيدو الحرب يعطون الأولوية لمنع القنبلة بأي ثمن، ويرون أن القوة العسكرية هي الأداة الوحيدة التي تفهمها إيران. معارضو الحرب يعطون الأولوية للتحالفات والأسواق، ويرون أن القوة الدبلوماسية أكثر فعالية. لكن الخسائر التي يتحدث عنها المعارضون استراتيجية وطويلة الأمد، بينما مكاسب المؤيدين تكتيكية وقصيرة الأمد. هذا يفسر الشعور بأن الحرب كانت "نصراً باهظ الثمن".
أما داخلياً، فترسم التحليلات صورة قاتمة لمستقبل ترامب السياسي، فهو يعتمد على دائرة ضيقة من المستشارين متجاوزاً البنتاغون والكونغرس، مما أضعف القرارات العسكرية وخلق تشققات داخل قاعدته الجمهورية.
في الختام، حرب أمريكا على إيران ليست انتصاراً ولا هزيمة بالمعنى المطلق، بل هي "نصر باهظ الثمن". كسبت أمريكا تدمير البرنامج النووي وكسر عقدة الخوف، لكنها خسرت السيطرة على مضيق هرمز وثقة حلفائها وهيبتها الأخلاقية. هذه هي المأساة الأمريكية في الشرق الأوسط: قدرة هائلة على الضرب، وعجز مماثل عن الإدارة. الأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه الحرب نقطة تحول أم حلقة جديدة في سلسلة من المغامرات التي بدأت بانتصارات ساحقة وانتهت بهزائم استراتيجية.