في يوم العلم .. حين تتحوّل الراية من رمزٍ إلى عقدٍ أخلاقي
د. بركات النمر العبادي
14-04-2026 12:12 PM
ليس العلم في جوهره قطعة قماش تُرفع ، ولا لوناً يُزيّن الفضاء العام ، بل هو اختزال كثيف لفكرة الدولة ، وتجسيد بصري لذاكرة جماعية تراكمت عبر الزمن ، وفي الحالة الأردنية تحديداً ، لا يمكن فصل العلم عن سياق نشأة الدولة نفسها ؛ فهو ليس مجرد شعار سيادي ، بل امتداد لرواية تاريخية تأسست على فكرة الاستقرار في محيطٍ مضطرب ، وعلى بناء كيانٍ سياسي حافظ على توازنه رغم العواصف.
في لحظات الهدوء ، تبدو الرموز الوطنية وكأنها تفاصيل بروتوكولية ، لكن في الأزمنة القلقة كالتي تعيشها المنطقة اليومتستعيد هذه الرموز معناها الأصلي : بوصفها أدوات تثبيت للهوية ، ووسائط لإعادة تعريف “نحن” ، من هنا ، فإن يوم العلم لا ينبغي أن يُقرأ كمناسبة احتفالية ، بل كفعلٍ تأملي جماعي ، يعيد طرح السؤال الجوهري : ما الذي يجمع الأردنيين حقاً ؟
الفكر المحافظ الأردني ، في قراءته لهذه المناسبة ، لا ينظر إلى العلم كأداة تعبئة عاطفية عابرة ، بل كـ”مرجعية رمزية” ترتبط بثلاثية لا تنفصل : الدولة ، الاستمرارية ، والشرعية ، فالدولة ليست مجرد مؤسسات ، بل كيانٌ تاريخي تراكمي ؛ والاستمرارية ليست حالة تلقائية ، بل إنجاز سياسي يومي ؛ أما الشرعية ، فهي لا تُختزل في النصوص ، بل تُبنى على الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.
من هذا المنظور، يصبح رفع العلم فعلاً يتجاوز التعبير إلى الالتزام. ليس إعلان ولاءٍ شكلي ، بل إقرار ضمني بعقدٍ غير مكتوب : أن الدولة تحمي ، وأن المجتمع يحافظ ؛ أن السلطة تُصلح ، وأن المواطن يشارك ، وهنا تحديداً يبرز الفرق بين “الاحتفال” و”المعنى” : فالأول ينتهي بانتهاء اليوم ، أما الثاني فيمتد كوعيٍ وسلوك.
غير أن المقاربة المحافظة—إن كانت جادة—لا تكتفي بالاحتفاء بالرمز، بل تُخضعه لاختبار الواقع. فالعلم الذي يُرفع عالياً، يجب أن يوازيه شعورٌ عالٍ بالعدالة ، وبالقدرة على العيش الكريم ، وبالانتماء غير المشروط بالظرف الاقتصادي أو الاجتماعي ، وإلا، فإن الفجوة بين الرمز والواقع تتحول مع الزمن إلى مصدر صامت للتآكل الداخلي.
وفي سياق تتكاثر فيه السرديات المتناقضة ، وتتصاعد فيه الضغوط الإقليمية ، يصبح الحفاظ على الهوية الوطنية عملاً واعياً ، لا مجرد رد فعل ، وهنا تكتسب دعوة إشراك المواطن معناها الحقيقي : ليس عبر الصورة والمنشور فقط ، بل عبر إعادة إدخاله في صلب المعادلة الوطنية كشريك في الفهم ، لا مجرد متلقٍ للخطاب.
إن يوم العلم ، في عمقه ، هو لحظة اختبار: ليس لمدى قدرتنا على رفع الراية ، بل لمدى قدرتنا على حمل ما ترمز إليه ، فالأوطان لا تُقاس بارتفاع أعلامها ، بل بصلابة ما تحتها ، وحين يرفع الأردني علمه ، فإن السؤال الأهم ليس : هل ارتفع ؟ بل : هل بقي معناه حيّاً في الوعي؟ و في هذا التوتر بين الرمز والواقع ، بين الشكل والمضمون ، يتحدد مستقبل الهوية الوطنية ، وهنا تحديداً ، يصبح العلم أكثر من مجرد راية—يصبح مرآة.
وفي النهاية ، لا يُختبر الانتماء بما يُرفع من رايات ، بل بما يترسخ في الضمير من يقين ، بأن هذا الوطن ليس خياراً عابراً بل قدرٌ مشترك ، والولاء ، في معناه الأعمق ، ليس ترديداً للشعارات ، بل التزامٌ صامت بحماية الفكرة التي يمثلها الأردن : دولةٌ تقوم على الثبات ، وتستمد قوتها من التفاف شعبها حول قيادتها الهاشمية ، بوصفها الضامن التاريخي لوحدة البلاد واستمراريتها ، عندها فقط، يصبح العلم أكثر من رمزٍ يُرى ، بل معنى يُعاش ، وعهدٌ يتجدد بأن نبقى—مهما اشتدت الرياح—هنا في السادس عشر من نيسان من كل عام ، دائما مع الأردن ، وله.
حمى الله الاردن وجميع البلاد العربية من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي