facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الوطن يتذكّر نفسه


د. جاسر خلف محاسنه
16-04-2026 11:02 PM

في الأردن، يبدأ الزمن من طبقة قديمة تحت الأقدام، حيث تتداخل الخطوات مع ما سبقها حتى تتماهى البدايات مع النهايات. المكان يحتفظ بأسماء من مرّوا، ويعيد ترتيبهم في ذاكرته كمن يعرف حضورهم قبل وصولهم، فتبدو الأرواح وكأنها جاءت من اعتراف قديم بين الأرض والهواء.

في عمان، المدينة التي تتكئ على سبعة جبال كأنها سبعة كتب مفتوحة، تتدلّى البيوت من السفوح مثل ثمار نضجت على مهل، وتتحرك الشوارع بإيقاع خفي يعيد نفسه في كل مساء، فتبدو الخطوات وكأنها امتداد لخطوات أقدم منها، محفوظة في جسد المدينة.

وفي جرش، الأعمدة الرومانية تقيم في حالة استماع دائم، كأنها تحفظ أسرار الهواء حين يمر بين الحجر والحجر. في المساء، يحتفظ المسرح بظلّ الجالسين، ويعيد تشكيلهم في هيئة حضور خفيف يشبه الحلم حين يختار البقاء داخل الضوء.

وعند أطراف الكرك، تمتد القلعة كأنها فكرة تحولت إلى حجر، ثم اكتسبت ذاكرة أوسع من الجغرافيا. الجبل هناك يتبادل الضوء مع النهار في طقس بطيء، فتبدو الأسوار كأنها تتنفس مع كل شروق، وتعيد صياغتها مع كل غروب.

وفي معان، الصحراء تتكلم بلغة الفراغ الممتلئ بالمعنى، والكثبان تعيد كتابة شكلها مع كل ريح، والنجوم تتحول إلى إشارات قديمة تقود السائرين نحو فكرة الطريق أكثر من الطريق نفسه، كأن المسير هناك امتداد لفهم أعمق للوجود.

وفي إربد، تنبسط الأرض كأنها كفُّ حانية تستقبل المطر قبل وصوله، والسهول الممتدة هناك تفتح آفاقاً للروح لتمشي في سعة المعنى. الحقول تتنفس بلون القمح الذي يحفظ حكايات الذين زرعوا طموحهم في عمق الطمي، فتبدو السنابل كأنها أصابع من ذهب تكتب قصيدة الأرض في كل موسم. هناك، يمتزج صخب المدينة بوقار القرى القريبة، وتتحرك الحكايا بين التلال كنسيمٍ يعرف أهله، فتصير البيوت الحجرية القديمة مرايا للزمن، تعكس وجوه الذين ثبتوا في ترابها وصاروا جزءاً من نبضها الدائم.

وعند سفوح عجلون، تبدأ الحكاية حين تهبّ الرياح كأنها تبحث عن اسمها القديم بين الغابات. هناك تدخل الرياح في معركة طويلة مع قلعة عجلون، تصعد من الوديان ككائنٍ يجرّ ذاكرته خلفه، وتندفع نحو الحجر كأنها تستعيد منه سرّ الخلق الأول، بينما تقف القلعة بثباتٍ بطيء، ممتصةً للصدمات ومحولةً إياها إلى صدى يعود على شكل زمنٍ أعمق من الفهم. وبين الريح والقلعة يولد زمن يمشي على حافة الأسطورة، حيث يزداد كل شيء حضورًا حتى يبدو المكان كأنه كان ينتظر هذه المواجهة منذ البداية.

وفي تلك السفوح نفسها، يهبط الضباب على الأشجار كأنه ذاكرة تعرف تفاصيل الأرض. التين هناك ينضج في طبقات من الوقت، وكل ثمرة تحمل حوارًا صامتًا بين الجذور والضوء، بين ما ينمو في الأرض وما يتشكل في الهواء. ومع صعود الطريق نحو السفوح القريبة من الجبال التي تلتقي فيها الغابة بالريح، تقف الأشجار كأنها تحفظ ما دار بينها وبين الزمن من اتفاقات قديمة.

وفي البادية، يمتد الليل ككائن واسع يتنفس على إيقاع النجوم، والإبل تتحرك كأنها تحفظ نصًا أقدم من الكتابة، والمطر حين يصل يتحول إلى لحظة مصالحة بين السماء والأرض، فيعيد ترتيب الصمت ويمنح الرمل شكلاً جديدًا من الحياة.

في الاردن يتحوّل المكان إلى ذاكرة تمشي، وإلى زمن يُكتب على هيئة هواء يُحَسّ أكثر مما يُرى، وإلى حكاية تُعيد ترتيب نفسها باستمرار.

غير أن القلب، حين يطول به الوقوف على أطراف المشهد، يتعلّم أن بعض الوجوه تقاس بالموقف، وأن من وقفوا في قلب الحكاية يظلون فيها برغم ابتعاد الأجساد، فالوطن يحفظ من حملوا اسمه وقت الشدة، ويحتضن من مشوا معه في دروبه الضيقة حين كانت الريح أعلى من الصوت. ومن يبتعد عن هذا الامتداد، يفتقد الإيقاع الذي كان يمنحه حضوره معنى. تتشظّى الجهات حوله كما تتشظّى الفكرة حين تفقد نبرتها الأولى، ويصبح كمن يسير في شرم برم، حيث تتقاطع الدروب كما تتقاطع الظلال في آخر الضوء، بينما يبقى الوطن ثابتًا في ذاكرته، وفياً للذين ثبتوا معه، برغم محاولات الزمن بعثرة خطواتهم في ضياعٍ طويل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :